السؤال:

نقرأ في كتب الفقه عن الأعيان الطاهرة والأعيان النجسة،فعلى أي أساس تصنف الأعيان ضمن الطهارة أو النجاسة؟ وأي معيار هذا الذي يتسع لضبط هذه المواد على كثرتها؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-
فالأصل في المخلوقات التي خلقها الله تعالى أنها طاهرة سواء أكانت حيوانا،أو نباتا،أو مادة جامدة لا حياة فيها كالمواد التي تستخرج من باطن الأرض مثل البترول والفحم،ولا يحكم بنجاسة شيء إلا إذا دل دليل صريح على نجاسته من القرآن،أو صحيح السنة، أو إجماع متيقن،وعليه فالأعيان الطاهرة لا تحتاج إلى دليل يثبت طهارتها؛لأنها على الأصل، أما النجاسة فلا يصار إليها إلا بدليل.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-
نود أن نقرر: أن الله تعالى خلق الأشياء كلها في الأصل طاهرة، وإنما تطرأ عليها النجاسة بعد ذلك، فلم يخلق الله سبحانه شيئا نجسا بذاته، لأنه تعالى (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) السجدة: 7 (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) النمل: 88 (مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن

تَفَاوُتٍ) الملك: 3، ومقتضى هذا: ألا يكون ما خلقه الله نجسا بأصل خلقته.
ومن هنا تقررت قاعدة كلية عامة، وهي: أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى نعلم نجاستها بدليل معتبر، ولا ننقلها من الطهارة إلى النجاسة إلا بنص شرعي صحيح الثبوت، صريح الدلالة من كتاب الله، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مجال في هذا لآراء الرجال، واجتهاد المجتهدين، وإن كان حكم الشرع هنا هو الموافق للفطرة السليمة، وللعقل الرشيد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:-
اعلم أن الأصل في جميع الأعيان الموجودة ـ على اختلاف أصنافها، وتباين أوصافها ـ أن تكون (حلالا) مطلقا للآدميين، وأن تكون (طاهرة) لا يحرم عليهم ملابستها ومباشرتها ومماستها.
قال: وهذه كلمة جامعة، ومقالة عامة، وقضية فاصلة، عظيمة المنفعة، واسعة البركة، يفزع إليها حملة الشريعة، فيما لا يحصى من الأعمال وحوادث الناس. وقد دل عليها أدلة عشرة ـ مما حضرني ذكره من الشريعة ـ وهي: كتاب الله وسنة رسوله، واتباع سبيل المؤمنين المنطوقة في قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء: 59. وقوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) المائدة: 55. ثم مسالك القياس والاعتبار، ثم مناهج الرأي والاستبصار.
وقد ذكر ـ رحمه الله ـ هذه الأدلة: فبدأ بالقرآن، الذي قال: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) البقرة: 29، والخطاب لجميع الناس، لافتتاح الكلام بقوله: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) البقرة: 21 ،فأخبر أنه خلق جميع ما في الأرض للناس، فيجب إذن أن يكونوا مُمَلَّكين مُمَكَّنين لجميع ما في الأرض. ومثل قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه) الجاثية:
وذكر شيخ الإسلام الدلائل من السنة، ومنه ما رواه أبو داود عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء من السَّمْن والجُبْن والفِراء، فقال: “الحلال: ما أحل الله في كتابه، والحرام: ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه”.
كما ذكر شيخ الإسلام الاستدلال باتباع سبيل المؤمنين، وشهادة شهداء الله في أرضه، من العدول الثقات، المعصومين من اجتماعهم على ضلالة.
كما ذكر من مسائل النظر والاعتبار والاستبصار: ما يبين أن الله سبحانه خلق هذه الأشياء، وجعل فيها للإنسان متاعا ومنفعة، ومنها ما قد يضطر الإنسان إليه، وهو ـ سبحانه ـ جواد ماجد، كريم رحيم، غني صمد، والعلم بذلك يدل على العلم بأنه لا يعاقبه ولا يعذبه على مجرد استمتاعه بهذه الأشياء، وهو المطلوب.
ثم إنها منفعة خالية من مضرة، فكانت مباحة، كسائر ما نص على تحليله. كما قال تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) الأعراف: 157.
قال ابن تيمية:إذا ثبت هذا الأصل ـ وهو الأصل في الأشياء، الحل والإباحة ـ فنقول: الأصل في الأعيان الطهارة لثلاثة أوجه:

الأول:أن الطاهر ما حل ملابسته ومباشرته وحمله في الصلاة، والنجس بخلافه، وأكثر الأدلة السالفة تجمع جميع وجوه الانتفاع بالأشياء: أكلا وشربا ولبسا ومَسًّا وغير ذلك، فثبت دخول الطهارة في الحِلِّ، وهو المطلوب.
الثاني:أنه إذا ثبت أن الأصل جواز أكلها وشربها، فلأن يجوز ملابستها ومخالطتها أولى وأحرى. وذلك لأن الطعام يخالط البدن ويمازجه من داخله، وينبت منه، فيصير مادة وعنصرًا له، فإذا كان خبيثا صار البدن خبيثا، ويستوجب النار.. وأما ما يماس البدن ويباشره، فيؤثر في البدن من ظاهر، كتأثير الأخباث في أبداننا وثيابنا المتصلة بأبداننا، لكن تأثيرها دون تأثير المخالط الممازج. فإذا ثبت حل مخالطة الشيء وممازجته، فحِل ملابسته ومباشرته أولى، وهذا قاطع لا شبهة فيه.
قال: وطرد ذلك: أن كل ما حرم مباشرته وملابسته، حرم مخالطته وممازجته، ولا نعكس، فكل نجس محرم الأكل، وليس كل محرم الأكل نجسا، وهذا غاية التحقيق.
الوجه الثالث:أن الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن النجاسات محصاة مستقصاة، وما خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر.
والله أعلم .