السؤال:

رأيت هذا الحديث في صحيح البخاري : (ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه . قالوا: ولا الجهاد؟ قال: (ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء) تحت باب (فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ) فهل هذا الحديث صحيح؟ وإن كان صحيحا فكيف نوفق بين هذا الحديث الذي يدل دلالة واضحة على تفضيل أيام التشريق على أيام العشر وبين الحديث الذي يصرح بأن أيام العشر أفضل من أيام التشريق؟ وإذا لم يكن صحيحا فكيف نفسر وجوده في البخاري؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-

كتاب صحيح البخاري له عدة روايات عن البخاري نفسه، وقد يوجد بينها اختلاف في الظاهر بعض الشيء، وليس كل الرواة عن البخاري على درجة واحدة من الحفظ والإتقان عنه، وهذا الحديث المذكور الذي يقتضي تفضيل أيام التشريق على أيام العشر موجود في صحيح البخاري من رواية امرأة اسمها كريمة وهي إحدى الراويات عن البخاري بواسطة الكشمهيني وهو أحد الرواة عن البخاري بلا واسطة، وكريمة هنا قد خالفت غيرها ممن روى عن الكشمهيني، حيث ذكر غيرها تفضيل العشر على التشريق، وذكر بعض آخر الأيام من غير تسمية، وبين العلماء أن رواية من صرح بتفضيل العشر أقوى من رواية كريمة وهو أبوذر أحد الرواة عن الكشمهيني، ولذلك عدوا حديث كريمة شاذا؛ لأنها خالفت فيه من هو أوثق منها. وأما عن سبب وجود هذا الحديث تحت باب (فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ) فذلك له سببه الذي يمكن معرفته من خلال السطور التالية:-

ذكر البخاري حديث ابن عباس تحت باب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، ونص الحديث عنده كالتالي :عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ قَالُوا وَلَا الْجِهَادُ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:-

قوله صلى الله عليه وسلم: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه) هكذا لأكثر الرواة بالإبهام – أي من غير تعيين الأيام الفاضلة-، ووقع في رواية كريمة عن الكشميهني ” ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه ” وهذا يقتضي نفي أفضلية العمل في أيام العشر على العمل في هذه الأيام إن فسرت بأنها أيام التشريق- وهي الأيام الثلاثة التي بعد العيد- وعلى ذلك جرى بعض شراح البخاري، وحمله على ذلك ترجمة البخاري المذكورة فزعم أن البخاري فسر الأيام المبهمة في هذا الحديث بأنها أيام التشريق، وفسر العمل بالتكبير لكونه أورد الآثار المذكورة المتعلقة بالتكبير فقط.
وقال ابن أبي جمرة- أحد شراح البخاري-: الحديث دال على أن العمل في أيام التشريق أفضل من العمل في غيره، ثم قال: ولا يعكر على ذلك كونها أيام عيد كما تقدم من حديث عائشة، ولا ما صح من قوله عليه الصلاة والسلام ” أنها أيام أكل وشرب ” كما رواه مسلم، لأن ذلك لا يمنع العمل فيها، بل قد شرع فيها أعلى العبادات وهو ذكر الله تعالى، ولم يمنع فيها منها إلا الصيام.
ثم بين سر تفضيل أيام التشريق على العشر فقال: وسر كون العبادة فيها أفضل من غيرها أن العبادة في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها، وأيام التشريق أيام غفلة في الغالب فصار للعابد فيها مزيد فضل على العابد في غيرها كمن قام في جوف الليل وأكثر الناس نيام، وفي أفضلية أيام التشريق نكتة أخرى وهي أنها وقعت فيها محنة الخليل بولده ثم من عليه بالفداء، فثبت لها الفضل بذلك ا هـ.

وهو توجيه حسن إلا أن المنقول يعارضه، والسياق الذي وقع في رواية كريمة شاذ مخالف لما رواه أبو ذر وهو من الحفاظ عن الكشميهني شيخ كريمة بلفظ ” ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر ” وكذا أخرجه أحمد وغيره عن غندر عن شعبة بالإسناد المذكور.
ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة فقال ” في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة ” وكذا رواه الدارمي عن سعيد بن الربيع عن شعبة.
ووقع في رواية وكيع ” ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ” يعني أيام العشر، وكذا رواه ابن ماجه من طريق أبي معاوية عن الأعمش، ورواه الترمذي عن رواية أبي معاوية فقال ” من هذه الأيام العشر ” بدون كلمة يعني.
وقد ظن بعض الناس أن قوله ” يعني أيام العشر ” تفسير من بعض رواته، لكن ما ذكرناه من رواية الطيالسي وغيره ظاهر في أنه من نفس الخبر.
وكذا وقع في رواية القاسم بن أبي أيوب بلفظ ” ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى ” .
وفي حديث جابر في صحيحي أبي عوانة وابن حبان ” ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة ” فظهر أن المراد بالأيام في حديث الباب أيام عشر ذي الحجة.

لكن يبقى السؤال لماذا ترجم البخاري لهذا الحديث بباب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ والإجابة على ذلك من عدة وجوه:-

أحدها: أن الشيء يشرف بمجاورته للشيء الشريف، وأيام التشريق تقع تلو أيام العشر، وقد ثبتت الفضيلة لأيام العشر بهذا الحديث فثبتت بذلك الفضيلة لأيام التشريق.
ثانيها: أن عشر ذي الحجة إنما شرف لوقوع أعمال الحج فيه، وبقية أعمال الحج تقع في أيام التشريق كالرمي والطواف وغير ذلك من تتماته فصارت مشتركة معها في أصل الفضل، ولذلك اشتركت معها في مشروعية التكبير في كل منها، وبهذا تظهر مناسبة إيراد الآثار المذكورة في صدر الترجمة لحديث ابن عباس كما تقدمت الإشارة إليها.
ثالثها: أن بعض أيام التشريق هو بعض أيام العشر وهو يوم العيد، وكما أنه خاتمة أيام العشر فهو مفتتح أيام التشريق، فمهما ثبت لأيام العشر من الفضل شاركتها فيه أيام التشريق، لأن يوم العيد بعض كل منها بل هو رأس كل منها وشريفه وعظيمه، وهو يوم الحج الأكبر.

والله أعلم .