السؤال:

سمعنا أن العبادة في أيام العشر من ذي الحجة أفضل من العبادة في بقية أيام السنة. فهل هذا صحيح؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-

صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العبادة في العشر الأول من شهر ذي الحجة أفضل من العبادة في أي وقت آخر، حتى إن العبادة من صلاة وصيام وذكر وصدقة في هذه الأيام تفضل الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج للجهاد مخاطرا بنفسه وماله وعدته وعتاده فأهريق دمه، وتناثرت أشلاؤه، وحطمت أدواته، ونهب ماله وسلاحه، فهذا فقط هو الذي يفضل العابد في هذه الأيام.

يقول الإمام ابن رجب الحنبلي :-

خرج البخاري ” من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ، يعني أيام العشر قالوا : يا رسول الله و لا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : و لا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه و ماله لم رجع من ذلك بشيء ” وقد دل هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها و إذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده . و قد ورد هذا الحديث بلفظ : ” ما من أيام العمل فيها أفضل من أيام العشر ” و روي بالشك في لفظه : ” أحب أو أفضل ” و إذا كان العمل في أيام العشر أفضل و أحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها ، صار العمل فيه و إن كان مفضولاً أفضل من العمل في غيره و إن كان فاضلاً .
و لهذا قالوا : يا رسول الله و لا الجهاد في سبيل الله قال : ” و لا الجهاد ” ، ثم استثنى جهاداً واحداً هو أفضل الجهاد فإنه صلى الله عليه و سلم سئل : أي الجهاد أفضل قال : ” من عقر جواده و أهريق دمه و صاحبه أفضل الناس درجة عند الله ” .
و سمع النبي صلى الله عليه و سلم رجلاً يدعو يقول : اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين قال : ” إذن يعقر جوادك و تستشهد ” .
فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر ، و أما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل و أحب إلى الله عز و جل منها . و كذلك سائر الأعمال ، و هذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره و يزيد عليه لمضاعفة ثوابه و أجره .

و قد روي في حديث ابن عباس رضي الله عنهما : ” هذا زيادة و العمل فيهن يضاعف بسبعمائة ” ، و في إسنادها ضعف . و قد ورد في قدر المضاعفة روايات متعددة مختلفة فخرج الترمذي و ابن ماجه ” من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة ، يعدل صيام كل يوم منها بسنة ، و كل ليلة منها بقيام ليلة القدر ” ، و هذا الحديث فيه راو ضعيف.
و روى أبو عمر و النيسابوري في كتاب الحكايات بإسناده عن حميد قال : سمعت ابن سيرين و قتادة يقولان :صوم كل يوم من العشر يعدل سنة .
و قد روي في المضاعفة أكثر من ذلك . فروى هارون بن موسى النحوي قال : سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك قال : كان يقال في أيام العشر : بكل يوم ألف يوم ، و يوم عرفة عشرة آلاف ، قال الحاكم : هذا من المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم .
و في المضاعفة أحاديث أخر مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكنها موضوعة فلذلك أعرضنا عنها و عما أشبهها من الموضوعات وهي كثيرة .
و قد دل حديث ابن عباس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها ، وعلى رأس هذه العبادات الصيام، ففي المسند و السنن ” عن حفصة : أن النبي صلى الله عليه و سلم كان لا يدع صيام عاشوراء ، و العشر ، و ثلاثة أيام من كل شهر ” ، و في إسناده اختلاف . و روي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه و سلم : ” أن النبي صلى الله عليه و سلم كان لا يدع صيام تسع ذي الحجة ” .
و ممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . و قد تقدم عن الحسن و ابن سيرين و قتادة ذكر فضل صيامه و هو قول أكثر العلماء أو كثير منهم .
و في صحيح مسلم ” عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم صائماً العشر قط ” . و في رواية في العشر قط ، و قد اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث فأجاب مرة بأنه قد روى خلافه ، و ذكر حديث حفصة و أشار إلى أنه اختلف في إسناد حديث عائشة فأسنده الأعمش ، و رواه منصور عن إبراهيم مرسلاً ، و كذلك أجاب غيره من العلماء بأنه إذا اختلفت عائشة و حفصة في النفي و الإثبات أخذ بقول المثبت لأن معه علماً خفي على النافي ، و أجاب أحمد مرة أخرى بأن عائشة أرادت أنه لم يصم العشر كاملاً، يعني و حفصة أرادت انه كان يصوم غالبه ، فينبغي أن يصام بعضه و يفطر بعضه ، و هذا الجمع يصح في رواية من روى ما رأيته صائماً العشر ، و أما من روى ما رأيته صائماً في العشر فيبعد أو يتعذر هذا الجمع فيه.

و أما قيام ليالي العشر فمستحب، فقد كان سعيد بن جبير و هو الذي روى هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما إذا دخل العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه ، و روي عنه أنه قال : لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر تعجبه العبادة .

و أما استحباب الإكثار من الذكر فيها فقد دل عليه قول الله عز و جل : ” و يذكروا اسم الله في أيام معلومات ” . فإن الأيام المعلومات هي أيام العشر عند جمهور العلماء .

و في مسند الإمام أحمد ” عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما من أيام أعظم و لا أحب إليه العمل فيهن عند الله من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل و التكبير و التحميد ” .

و قد اختلف عمر و علي رضي الله عنهما في قضاء رمضان في عشر ذي الحجة فكان عمر يحتسبه أفضل أيامه ، فيكون قضاء رمضان فيه أفضل من غيره و هذا يدل على مضاعفة الفرض فيه على النفل ، و كان علي ينهي عنه ، و عن أحمد في ذلك روايتان . و قد علل قول علي : بأن القضاء فيه يفوت به فضل صيامه تطوعاً و بهذا علله الإمام أحمد و غيره ، و قد قيل : إنه يحصل به فضيلة صيام التطوع بها ، و هذا على قول من يقول : إن نذر صيام شهر فصام رمضان أجزاءه عن فرضه و نذره متوجه ، و قد علل بغير ذلك.

والله أعلم .