السؤال:

هل يجوز شرعًا الاحتفاظ بمنزلٍ مُعَيَّنٍ كَمُتْحَفٍ على ما هو عليه، لكي يعرف الناس عن طريقه مرحلةً من تاريخهم؟

الجواب:

،بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

يتحدد الحكم على التماثيل والآثار الموجودة في الدولة الإسلامية، بالغرض منها ، فإن كانت للعبادة أو للتبرك فهي حرام ، وإن كانت للعبرة والعظة فوجودها جائز ، وقد دخل الصحابة البلدان فوجدوا فيها من الآثار الكثير ولم يحطموها ، بل حطموا الكفر من قلوب الناس .

يقول فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الشرباصي الأستاذ بجامعة الأزهر رحمه الله :

لا شك أن التاريخ من أهم المصادر التي نستقي منها المعلومات المتعلقة بالإنسان من ناحية العقائد والعادات والتقاليد واللغات ومختلف شؤون المجتمع، والتاريخ يُعرف بوسائل متعددة أهمها المباني والآثار الباقية كالمساجد والمعابد والقلاع والأهرام والحصون وما أشبهها وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تحث على السير في الأرض، للتطلع إلى مشاهدها، والاعتبار بآثارها، ومن ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اْلأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الآية:137). وقوله في سورة النمل: (قُلْ سِيرُوا فِي اْلأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (الآية:69). وقوله في سورة الروم:( (قُلْ سِيرُوا فِي اْلأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (الآية:42) وهناك إلى جوار ذلك آيات تشير إلى الآثار الباقية الصالحة لكي تكون عظة وعبرة، ولكي تكون موضع دراسة وتدبُّر، فالقرآن يقول في سور غافر:(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي اْلأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي اْلأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الآية:82).

ويقول في سورة القصص: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُم لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ) (الآية:58). ويقول في سورة الأحقاف: (فَأَصْبَحُوا لايُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ) (الآية:25). ويقول في سورة طه: (أَفَلَمْ يَهْدِ لهم كَمْ أهلكْنَا قبْلَهم مِن القرونِ يَمشون في مَسَاكنِهم إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لأولِى النُّهَى) (الآية:128).

ويقول في سورة السجدة: (أَوَ لَمْ يَهْدِ لهم كَمْ أهلكْنَا مِن قبلهم مِن القُرونِ يَمشُون في مساكنِهم إِنَّ في ذَلكَ لآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ ) (الآية:26). ويقول في سورة العنكبوت: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ) (الآية:38)…إلخ.

وهذه الآيات تدل على أن آثار السابقين معوان على دراسة أحوالهم، ومعرفة النهاية التي انتهوا إليها.

وهناك شاهد على جواز الاحتفاظ بمنزل له قيمة أثرية خاصة. فالمفسِّرون قد تحدثوا عن قول الله، تعالى، في سورة الحجرات: (إِنَّ الذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (الآية: 4). فقالوا: إن المراد بالحجرات حجرات نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانت تِسْع حجرات، لكل واحدة منهن حجرة، وكانت هذه الحجرات من جريد النخل، وعلى أبوابها ستائر من صوف خشن أسود، فهي حجرات متواضعة لا تتسع للزينة أو الترف.

وكانت الحجرات مجاورة للمسجد ومفتوحة عليه، فلما جاء عهد الوليد بن عبد الملك أمر بإدخال هذه الحجرات بعد هدْمها في مسجد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وبكى الناس لذلك، وقال سعيد بن المسيب يومئذ: “والله لَوَددتُ أنهم تركوها على حالها ليقدم القادم من أهل الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياته؛ فيكون ذلك مما يُزَهِّد الناس في التكاثر والتفاخر في الدنيا”. وكذلك قال أبو أمامة بن سهل بن حنيف مثل ذلك.

ويستنبظ من هذا أن الاحتفاظ بالأثر الذي يثمر ثمرته ويحقق فائدته، أمر لا يمنعه الدين.أ.هـ

والله أعلم .