السؤال:

ما معنى (وَلنْ تستطيعوا أنْ تَعْدِلُوا بيْن النساء)، وهل هي دليل على منع تعدد الزوجات كما يدعي البعض ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد

فالعدل المطلوب عند تعدد الزوجات هو العدل في القسمة وفيما يملك الإنسان، أما العدل في الميل القلبي والعاطفي ، فهذا لا يحاسب عليه الإنسان، لأنه ليس في يد الإنسان ، ومن العجيب أن كثيرا من التشريعات في كثير من الدول تبيح الزنى ولا تبيح التعدد .

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :

الاستدلال بالقرآن الكريم في هذه المسألة استدلال مرفوض، وتَحريف للكَلِم عن موضعه، وهو يَحمِل في طَيِّه اتِّهامًا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولأصحابه رضي الله عنهم بأنهم لم يَفهموا القرآن، أو فهموه وخالفوه مُتَعَمِّدِينَ.
فهذه الآية تُبيِّن أن العدل المطلق الكامل بين النساء غير مُستطاع بِمُقْتضى طبيعة البشر؛ لأن العدل الكامل يَقتضي المساواة بينهن في كل شيء حتى في ميل القلب، وشهوة الجنس، وهذا ليس في يد الإنسان، فهو يُحب واحدة أكثر من أخرى، ويَميل إلى هذه أكثر من تلك، والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء.

والآية التي استدَلُّوا بها هي نفسها تَرُدُّ عليهم، لو تدبَّروها فالله تعالى أذن في تعدد الزوجات بشرط الثقة بالعدل، ثم بين العدل المطلوب في نفس السورة حين قال: (وَ‌لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ).. (النساء: 129)
ومن ثَمَّ كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول بعد أن يَقسِم بين نسائه في الأمور الظاهرة من النفقة والكسوة والمبيت: “اللهم هذا قَسَمِي فيما أَملِك فلا تُؤاخذني فيما تَملِك ولا أَملِك” ” يعني أمر القلب.
فأمر القلب هذا هو الذي لا يُستطاع العدل فيه، وهو في موضع العفو من الله تعالى، فإن الله جل شأنه لا يُؤاخِذ الإنسان فيما لا قُدرَةَ له عليه، ولا طاقة له به.
ولهذا قالت الآية الكريمة، بعد قوله: (وَ‌لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ). ومفهوم الآية أن بعض الميل مغتفر وهو الميل العاطفي.

والعجب العُجاب أن تأخذ بعض البلاد العربية الإسلامية بتحريم تعدد الزوجات في حين أن تشريعاتها لا تحرم الزنى، الذي قال الله فيه: ( إنه كان فاحشة وساء سبيلا )، (الإسراء: 32) إلا في حالات مُعيَّنة مثل الإكراه، أو الخيانة الزوجية إذا لم يتنازل الزوج.

وقد سمعتُ من شيخنا الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود رحمه الله: أن رجلًا مُسلمًا في بلد عربي إفريقي يَمنع التعدد، تزوج سرًّا بامرأة ثانية على زوجته الأولى وعَقَدَ عليها عقدًا عُرفيًّا شَرعيًّا مُستوفِي الشروط، ولكنه غير مُوَثَّق؛ لأن قانون البلد الوضعي يَرفُض توثيقه ولا يَعترف به، بل يَعتبره جريمة يُعاقِب عليها.. وكان الرجل يَتَرَدَّد على المرأة من حين لآخر.. فراقبته شرطة المباحث، وعَرَفَت أنها زوجته، وأنه بذلك ارْتكَبَ مخالفة القانون.
وفي ليلة ما، تَرَصَّدَتْ له وقبضتْ عليه عند المرأة، وساقته إلى التحقيق بتهمة الزواج بامرأة ثانية!
وكان الرجل ذكيًّا، فقال للذين يُحقِّقون معه:مَنْ قال لكم إنها زوجتي؟ إنها ليست زوجة، ولكنها عشيقةٌ، اتَّخذتُها خِدْنًا لي، وأَتَرَدَّد عليها ما بيْن فترة وأخرى!
وهنا دُهِشَ المُحَقِّقون وقالوا للرجل بكل أدب: نأسف غاية الأسف، لسوء الفهم الذي حَدَثَ، كنا نَحسَبها زوجة ولم نكُن نَعلم أنها رفيقة!

وخَلُّو سبيل الرجل؛ لأن مُرافَقَة امرأة في الحرام، واتخاذها خِدْنًا يُزانيها، يَدخل في إطار الحرية الشخصية التي يَحميها القانون!

والله أعلم