السؤال:

ورد في كتب السنة والسلف أن المساجد تبنى بعيدا عن التشييد العظيم، ولا تزخرف ،ولكن الأبنية الخاصة الآن بالأشخاص يهتم بها ، لتكون أشد تشييدا ، فهل يحرم المسجد من أن يكون بناء فخما، قائما على أسس معمارية جيدة ؟ وهل في ذلك حرمة ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

فزخرفة المساجد اختلفت فيها آراء الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم ، فمنهم من عدها إسرافا لا داعي له، وأنها تلهي الإنسان عن روح الصلاة وهو الخشوع ، ومن الفقهاء من منعها إن كانت من مال الوقف مع حاجة الفقراء ، فالاهتمام بالإنسان في الإسلام أهم من الاهتمام بالبناء ، وعليه ، فقد قالوا : تجوز زخرفة المساجد وتزيينها إن كانت مال تبرع، وإن كانت تعظيما لبيوت الله تعالى ، ويحمل النهي الوارد في هذه المسألة على الإسراف ،أما تشييد المساجد وجعل بنائها متينا مع التقدم العمراني فلا بأس به ، فلا يكون بيت الله تعالى أقل من أبنية الناس ، وإنما قال من قال بكراهة التشييد ،لأن بيوتهم لم تكن مشيدة ، ولذا سار تشييد المساجد في العصر الذي بدأت فيه الأبنية تعلو ويهتم بها ، على ألا يكون التشييد والتزيين يصل إلى حد الإسراف المنبوذ ، وألا يكون فيه ما يشغل بال المصلي عن الصلاة ، وألا تشيد المساجد و لايهتم بتعميرها من إقام صلاة الجماعة فيها ودورس العلم وحلق الذكر وغيرها وتعليم القرآن و غير ذلك من تعمير المساجد .

يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي :

من الأمور الواردة في فقه بناء المساجد النهي عن المبالغة في الزخرفة، والتي تُخرِج المسجد من طبيعته ووظيفته بوصفه مكانًا لعبادة الله وذكره وإقامة شعائره، بحيث يصبح مُعرَّضًا للتفنن في الزينة والزخرفة التي تَشغَل المصلي عن الخشوع في صلاته، والاستغراق في عبادته، والتدبر لما يتلوه من قرآن، وما يَقرؤه من ذكر وتسبيح ودعاء واستغفار.
ومن الغلو الزينة: تزيين المسجد بالذهب والفضة، ومثل ذلك: تعليق قناديل الذهب والفضة؛ لأنها من مظاهر الترف؛ ولأن الإسلام حَرَّمهما على الرجال؛ ولأن جماعة المسلمين إلى قيمة هذا الذهب والفضة أحْوجُ من إضاعتها على الجدران والسقوف والقناديل، وإن أجازَ ذلك بعض العلماء.
قال الزركشي: في تحلية المساجد بالفضة وتعليق قناديلهما ـ وجهان: أصحهما: التحريم ـ فإنه لم يُنقَلْ عن السلف، والثاني: الجواز، كما يَجوز سَتْر الكعبة بالحرير (إعلام الساجد: 338).
وقد رَوى البخاري عن أنس قال: كان قِرَام (أي ستر رقيق من صوف ذو ألوان) لعائشة، سَتَرتْ به جانب بيتها، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “أَميطي عنا قِرامَك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تَعرِضُ في صلاتي” (البخاري ).

وعن عائشة: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى في خَميصة لها أعلام، فنظر إليها نظرة، فلما انصرف قال: “اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْم.. فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي” (البخاري).
ولهذا حرص الصحابة على الابتعاد عن الزخرفة للمساجد، والاكتفاء بالمتانة والبساطة والاعتدال في بنيانها.
وقال عمر عند تجديد المسجِد النبوي لمن يقوم بالبناء: أَكِنَّ الناس من المطر، وإياك أن تُحمِّر أو تُصفِّر؛ فتَفتِن الناس. رواه البخاري معلقًا.
قال ابن بطال: كأن عمر فَهِمَ ذلك من رَدِّ الشارع الخميصة إلى أبي جهم من أجل الأعلام التي فيها، وقال: إنها ألهتني عن صلاتي.
قال الحافظ: ويُحتَمَل أن يكون عند عمر من ذلك علمٌ خاص بهذه المسألة.
وروى أبو يعلى في مُسنَده وابن خزيمة في صحيحه عن أنس: “يأتي على الناس زمان، يَتباهون بالمساجد، ثم لا يَعْمُرُونها إلا قليلاً” (الفتح). والمراد به: عمارتها بالصلاة وذكر الله.
ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان مختصرًا عن أنس مرفوعًا: “لا تقوم الساعة حتى يَتباهى الناس في المساجد” (أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة ).
وروى أبو داود وابن حبان وغيرهما عن: ابن عباس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “ما أُمِرتُ بتشييد المساجد” وقال ابن عباس: لتُزخْرِفُنَّها كما زَخرفَتْها اليهود والنصارى (أبو داود وابن حبان والطبراني ” والبيهقي).

والتشييد: تعلية البناء وتطويله، وفي القرآن (في بروج مشيدة) (النساء: 78) (وقصر مشيد) (الحج: 45).
وروى الشيخان عن ابن عمر: أن المسجد كان على عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبنيًّا باللَّبِنِ، وسقْفُهُ الجَرِيدُ، وعَمَدُه خَشَبُ النخل، فلم يَزِد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد عمر وبناه على بنيانه في عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ باللَّبِن والجَريد، وأعاد عَمَدَه خشبًا، ثم غَيَّره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبَنَى جدرانه بالحجارة المنقوشة والقَصَّة (الجَصّ)، وجعل عَمَدَه من حجارة منقوشة، وسقَفه السَّاجُ (البخاري مع الفتح: 1/540 حديث 446).
قال شُرَّاح الحديث: هذا يَدُلًّنا على أن السُّنَّة في بنيان المسجد: القَصْد وتَرْك الغُلو في تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه، وسَعَةِ المال عنده، لم يُغيِّر المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده؛ لأن جريد النخل قد نَخِر في أيامه، ثم كان عثمان، والمال في زمنه أكثر، فحَسَّنه بما لا يَقتضي الزخرفة، ومع ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه.

وأول من زخرف المساجد: الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في أواخر عصر الصحابة؛ وسَكَت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفًا من الفتنة، ورَخَّصَ في ذلك بعضهم ـ وهو قول أبي حنيفة ـ إذا وَقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد، ولم يقعِ الصرف على ذلك من بيت المال.
وقد اختلف الفقهاء في نقش المساجد وتزويقها وزخرفتها، ما بين كاره لذلك، ومُحرِّم، ومُجيز، ومُفصِّل.
قال في (إعلام الساجد): يُكرَه زخرفتها، مُستدِلاً بحديث ابن عباس “ما أُمِرت بتشييد المساجد” وحديث أنس عن التباهي في المساجد، وقول عمر: إياك أن تُحمِّر أو تُصَفِّر فتَفتِن الناس.
وقال قبل ذلك: يُكرَه نَقْشُ المسجد، واتخاذ الشُّرَفَات له؛ لأنها تَشْغَل القلب، قال: ولا شك أن لا يَجوز صَرْفُ غَلَّة ما وُقِف على عِمارته في ذلك، وعبارة القاضي الحُسين: لا يَجوز صرفها إلى التجصيص والتزويق، وذَكَر لَعْنَ ابنِ مسعود لمَن زخرف المسجد. أ هـ.
وقال البغوي في (شرح السنة): لا يجوز تَنقيش المسجد بما لا إحكام فيه، وقال في الفتاوى: فإنْ كان فيه إحكام (أي تقوية وحماية للبناء) فلا بأس، فإن عثمان ـ رضي الله عنه ـ بَنَى المسجد بالقَّصة والحجارة المنقوشة.

قال البغوي: ومن زَوَّق مسجدًا ـ أيْ تَبَرُّعًا ـ لا يُعَدُّ من المناكير التي يُبالَغ فيها (أي في الإنكار عليها) كسائر المُنكَرات؛ لأنه يَفعلُه تعظيمًا لشعائر الإسلام، وقد سامح فيه بعض العلماء وأبَاحَه بعضهم، ثم قال في موضع آخر: لا يَجوز نَقْشُ المسجد من غَلَّةِ الوَقْف، ويَغْرَمُ القيمةَ إنْ فَعَلَه، فلو فعله رجل بماله كُرِهَ؛ لأنه يَشغَل قلب المصلين. انتهى.
وأَطلقَ غيرُه عدمَ الجواز، لأنه بدعة مَنهيٌّ عنه؛ ولأن فيه تَشبُّهًا بالكفار، وذكر أبو نُعيم في الحِلية حديثًا مرفوعًا “إذا ساء عَملُ قَوم زَخرفوا مساجدهم” (ذكره الحافظ في الفتح: أن الحديث ضعيف). وإذا وُقِفَ على النقش والتزويق لا يَصِحُّ على الأصح؛ لأنه مَنهِيٌّ عنه؛ ولأنه من أشراط الساعة (يشير إلى حديث “لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد”)؛ ولأنه مما يُلهِي عن الصلاة بالنظر إليه، وقيل: يَصِحُّ، لمَا فيه من تعظيم المسجد، وإعزاز الدين، والخِلاف يَقْرُب من الخلاف في تَحلية المُصحف .

وقال ابن المنير: لما شَيَّدَ الناس بيوتهم وزخرفوها، ناسب أن يُصنَع ذلك بالمساجد صونًا لها عن الاستهانة.
وتُعقَّب بأن المَنْع إنْ كان للحَثِّ على اتِّبَاع السلف في ترك الرفاهية، فهو كما قال: وإنْ كان لشَغل بال المصلي بالزخرفة فلا، لبَقاء العِلَّة (الفتح: 1/540 حديث 541). أ. هـ.
ومِن الصحابة الزُّهاد مَن أنكَر زخرفة المسجد، كما جاء عن أبي الدراء ـ رضي الله عنه ـ قال: إذا حَلَّيتم مَصاحفكم، وزَخْرَفتم مساجدكم، فالدَّبَار (أي الهلاك) عليكم.
وعن علي ـ رضي الله عنه ـ إنَّ القوم إذا زَيَّنوا مساجدهم، فَسَدتْ أعمالهم.
وعن بعض السلف: ما أساءت أمَّة أعمالها إلا زخرفتْ مساجدها (المصنف لعبد الرزاق).

وروي أن ابن مسعود مَرَّ بمسجد مُزخرَف، فقال: لَعَن الله مَن زَخرفه. أو قال: لعن الله من فعل هذا، المساكين أحْوج من الأساطين (إعلام الساجد:336). (يعني الأعمدة).
وكأن الإنكار مُنْصَبٌّ على العناية بالشكل لا بالجوهر، وبالظاهر لا بالباطن، وبالصورة لا بالحقيقة، والله تعالى لا ينظر إلى الصور، ولكن يَنْظُر غلى القلوب.

وهذا معنى الحديث “يتباهون بالمساجد، ثم لا يَعمُرونها إلا قليلاً” كما يَنْصَبُّ الإنكار أيضًا على العناية بالأعمدة والأساطين، وإهمال العناية بالفقراء والمساكين، كما في كلمة ابن مسعود رضي الله عنه.

والله أعلم