السؤال:

ما هي الحكمة من قول سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء ) مع أنه من المعروف أن أحب الأعمال إلى الله سبحانه و تعالى هي الصلاة على أوقاتها ؟

و جزاكم الله عني كل خير .

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله خيرا، وبعد:

فاستحباب النبي صلى الله عليه وسلم لتأخير العشاء وتأخيره لها أحيانا إن تيسر لا ينافي كون الصلاة على وقتها أحب الأعمال إلى الله تعالى، لأن الراجح أن المقصود من ذلك أن تؤدي الصلاة في وقتها ولا تؤخر حتى يخرج الوقت.

كما أنه لو كان المقصود بكون الصلاة على وقتها أن تكون في أول الوقت، فإن العشاء تختلف عن غيرها في استحباب تأخيرها، لأن الذي يؤخرها يدع النوم وينتظر الصلاة، فيكون في صلاة حتى يصليها، كما روى البخاري في صحيحه ‏عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏قال: ‏أخر النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال: ” قد صلى الناس وناموا، أما ‏ ‏إنكم في صلاة ما انتظرتموها” قال ابن حجر في الفتح: فأثبت للمنتظر حكم المصلي، وكما صح عند مسلم قوله صلى الله عليه وسلم : “‏إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام”.

ووقت العشاء يبدأ بعد غروب الشفق الأحمر وينتهي بطلوع الفجر الصادق ، ولكن يستحب تأخير العشاء إلى ثلث الليل إن طمع في إدراك الجماعة، ويجوز تأخيرها إلى نصف الليل، فإن كان التأخير يفوت الجماعة على الرجال فالجماعة للرجال أولى، وينتهي وقت العشاء الاختياري بحلول نصف الليل، ولكن وقتها النهائي لا ينتهي إلا بطلوع الفجر .

روى البخاري عن ‏عبد الله ‏ ابن مسعود ‏قال: ‏سألت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏أي العمل أحب إلى الله قال: (‏ الصلاة على وقتها) قال ثم أي؟ قال: ( ثم بر الوالدين) قال ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) قال حدثني بهن ولو استزدته لزادني .

قال الإمام ابن حجر في الفتح ، معقبا:
‏قوله ( الصلاة على وقتها ) ‏قال ابن بطال فيه أن البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها، لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب . ‏قلت : وفي أخذ ذلك من اللفظ المذكور نظر، قال ابن دقيق العيد : ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أولا ولا آخرا وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء .

وتعقب ـ اعترض على هذا ـ بأن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ ” أحب ” يقتضي المشاركة في الاستحباب فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت .

وأجيب بأن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور كالنائم والناسي فإن إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوبا لكن إيقاعها في الوقت أحب . انتهى.‏

ويقول الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، مفتي السعودية ـ رحمه الله ـ :
فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه يستحب للرجال والنساء تأخير صلاة العشاء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما أخّرها ذات ليلة إلى نحو ثلث الليل قال : ( إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ).

فإذا تيسر تأخيرها بدون مشقة فهو أفضل ،.. أما إذا كان تأخيرها يشق على بعض الناس فإن المشروع تعجيلها؛ ولهذا قال جابر رضي الله عنه : (كان النبي صلى الله عليه وسلم في العشاء إذا رآهم اجتمعوا عجل ، وإذا رآهم أبطئوا أخر )وقال أبو برزة رضي الله عنه : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب أن يؤخر العشاء ) انتهى.

ويقول أ.د.محمود عكام، أستاذ الشريعة بجامعات سورية :
وقت العشاء يبدأ من دخول وقت العشاء، وهو –حسب آراء الفقهاء- من غياب الشفق الأحمر، ويمتد إلى دخول وقت الفجر؛ وبالتالي يجوز فيها – من دون أي خلاف – في هذا الأمر أن تصلي العشاء قبل الفجر بنصف ساعة أو ربع، المهم قبل دخول وقت الفجر، ولكن يبقى الأفضل والمستحب أن تُصلّى العشاء في أول وقتها حتى ثلث الليل ، أو نصفه. انتهى.

والله أعلم.