السؤال:

مشكلتي تتخلص في أنه طلقني زوجي بعد عام من زواجي كان مليئا بالخلافات والمشاكل، وكان الطلاق هو خير علاج للعلاقة التي استحالت نكدا، وبعد أن طلقني زوجي تركت أرض الوطن وسافرت إلى أهلي حيث يقيمون هنا في دولة الكويت وبعد أن انقضت عدتي تعرفت على شاب طيب حسن الخلق وتقدم لخطبتي وتمت إجراءات الزواج وأعيش مع زوجي في سعادة، وأنا الآن حامل في الشهر الخامس، ثم فوجئت بهذه الطامة، فحين قدمنا إلى أرض الوطن لقضاء العطلة السنوية فوجئت بزيارة طليقي وجاء يعتذر عما بدر منه ويطلب مني أن أرجع معه إلى بيته لأنه قد راجعني قبل أن تنقضي العدة، ولكن لم يكن يعلم بمحل إقامة والدي –على حد قوله- وحين أخبرته أنني متزوجة استشاط غضبا وهدد وتوعد... وأنا الآن في حيرة من أمري هل أستمر في علاقتي بزوجي الذي أحبه أم أن استمراري معه بعد الذي ذكرته لكم يكون حراما؟ أرجو منكم سرعة الرد.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
الأخت الفاضلة: نسأل الله تعالى أن يجعل لك مما أنت فيه فرجا ومخرجا، وكان من الواجب عليك استخراج وثيقة الطلاق قبل الزواج الثاني حتى لا يقع هذا الحرج، وزواجك الثاني ـ ما دمت لم تعلمين بالرجعة ـ محل خلاف بين الفقهاء، ولا يرفع هذا الخلاف إلا حكم القاضي الذي يرجح رأيا فقهيا على آخر طبقا للتقنين السائد في البلد الذي وقع فيه الزواج الأول.
فبالنسبة لزواج المطلقة التي راجعها زوجها وردها إلى عصمته، فلا يخلو الأمر من حالتين:
الحالة الأولى:  أن يكون كل من الزوجة (المطلقة) وزوجها الثاني أو أحدهما قد علم بأمر الرجعة ففي هذه الحالة فإن الزواج باطل باتفاق الفقهاء والوطء محرم على من علم منهما، وحكمه حكم الزاني في الحد وغيره ; لأنه وطئ امرأة غيره مع علمه.
الحالة الثانية:  إذا تم الزواج دون أن يكون هناك علم بأمر الرجعة فهذه الحالة اختلف فيها الفقهاء على قولين: القول الأول : إن نكاح الثاني باطل حيث إنه تزوج امرأة غيره والجهل بأمر الرجعة لا يؤثر على صحتها، وهذا ما ذهب إليه الشافعي والحنفية، ورواية عن أحمد.
القول الثاني : إن دخل بها الثاني فهي امرأته، ويبطل نكاح الأول، لأن كل واحد منهما عقد عليها، ومع الثاني مزية الدخول، فقدم بها. وهذا الرأي مروي عن عمر بن الخطاب، وسعيد بن المسيب وذهب إليه المالكية والرواية الثانية عن أحمد، وبعض فقهاء السلف.
ومحل الخلاف السابق إن كان الزوج معه بينة على الرجعة، فإذا لم تكن معه بينة على الرجعة فلا عبرة بدعواه والزواج الثاني صحيح.
وبالنسبة للحالة التي نحن بصددها، فالذي نراه أن الزواج الثاني صحيح حفاظا على كيان الأسرة التي استقرت، وحتى ينشأ الطفل الذي في أحشائك بين أبويه، ويبقى القول الفصل للقضاء فكلمته هي الحاسمة في هذا الأمر إذا لم يمكن إقناع الزوج الأول بالرجوع عما هو عليه.

جاء في كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي
من طلق زوجته، ثم أشهد على المراجعة من حيث لا تعلم، فاعتدت، ثم نكحت من أصابها، ردت إليه، ولا يصيبها حتى تنقضي عدتها في إحدى الروايتين، والأخرى هي زوجة الثاني، وجملة ذلك أن زوج الرجعية إذا راجعها، وهي لا تعلم، صحت المراجعة ; لأنها لا تفتقر إلى رضاها، فلم تفتقر إلى علمها كطلاقها، فإذا راجعها ولم تعلم، فانقضت عدتها، وتزوجت، ثم جاء وادعى أنه كان راجعها قبل انقضاء عدتها، وأقام البينة على ذلك، ثبت أنها زوجته، وأن نكاح الثاني فاسد ; لأنه تزوج امرأة غيره، وترد إلى الأول، سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل بها . هذا هو الصحيح، وهو مذهب أكثر الفقهاء ; منهم الثوري، والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه . وعن أبي عبد الله، – رحمه الله- .
الرواية ثانية، إن دخل بها الثاني فهي امرأته، ويبطل نكاح الأول . روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو قول مالك، وروي معناه عن سعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن القاسم، ونافع; لأن كل واحد منهما عقد عليها، وهي ممن يجوز له العقد في الظاهر، ومع الثاني مزية الدخول، فقدم بها.

ولنا أن الرجعة قد صحت، وتزوجت وهي زوجة الأول، فلم يصح نكاحها، كما لو لم يطلقها، فإذا ثبت هذا، فإن كان الثاني ما دخل بها، فرق بينهما، وردت إلى الأول، ولا شيء على الثاني، وإن كان دخل بها، فلها عليه مهر المثل ; لأن هذا وطء شبهة، وتعتد، ولا تحل للأول حتى تنقضي عدتها منه.

وإن أقام البينة قبل دخول الثاني بها، ردت إلى الأول، بغير خلاف في المذهب . وهو إحدى الروايتين عن مالك . وأما إن تزوجها مع علمها بالرجعة، أو علم أحدهما، فالنكاح باطل بغير خلاف، والوطء محرم على من علم منهما، وحكمه حكم الزاني في الحد وغيره ; لأنه وطئ امرأة غيره مع علمه.

فأما إن لم يكن لمدعي الرجعة بينة، فأنكره أحدهما، لم يقبل قوله، ولكن إن أنكراه جميعا، فالنكاح صحيح في حقهما، وإن اعترفا له بالرجعة، ثبتت، والحكم فيه كما لو قامت به البينة سواء.

وإن أقر له الزوج وحده، فقد اعترف بفساد نكاحه، فتبين منه، وعليه مهرها إن كان بعد الدخول، أو نصفه إن كان قبله، لأنه لا يصدق على المرأة في إسقاط حقها عنه، ولا تسلم المرأة إلى المدعي ; لأنه لا يقبل قول الزوج الثاني عليها، وإنما يلزمه في حقه، ويكون القول قولها . وهل هو مع يمينها أو لا ؟ على وجهين . والصحيح أنها لا تستحلف ، لأنها لو أقرت، لم يقبل إقرارها، فإذا أنكرت لم تجب اليمين بإنكارها.

وإن اعترفت المرأة وأنكر الزوج، لم يقبل اعترافها على الزوج في فسخ النكاح ; لأن قولها إنما يقبل على نفسها في حقها . وهل يستحلف ؟ يحتمل وجهين : أحدهما : لا يستحلف . اختاره القاضي ; لأنه دعوى في النكاح، فلم يستحلف، كما لو ادعى زوجية امرأة فأنكرته.
والثاني، يستحلف . قال القاضي : وهو قول الخرقي ; لعموم قوله عليه السلام (..ولكن اليمين على المدعى عليه)؛ ولأنه دعوى في حق آدمي، فيستحلف فيه كالمال.
فإن حلف فيمينه على نفي العلم ; لأنه على نفي فعل الغير . فإن زال نكاحه بطلاق، أو فسخ، أو موت، ردت إلى الأول من غير عقد ; لأن المنع من ردها إنما كان لحق الثاني، فإذا زال، زال المانع، وحكم بأنها زوجة الأول، كما لو شهد بحرية عبد ثم اشتراه، عتق عليه، ولا يلزمها للأول مهر بحال.
وذكر القاضي، أن عليها له مهرا . وهو قول بعض أصحاب الشافعي ; لأنها أقرت أنها حالت بينه وبين بضعها بغير حق، فأشبه شهود الطلاق إذا رجعوا.
ولنا أن ملكها استقر على المهر، فلم يرجع به عليها، كما لو ارتدت، أو أسلمت، أو قتلت نفسها، فإن مات الأول وهي في نكاح الثاني، فينبغي أن ترثه ; لإقراره بزوجيتها، أو إقرارها بذلك . وإن ماتت، لم يرثها، لأنها لا تصدق في إبطال ميراث الزوج الثاني، كما لم تصدق في إبطال نكاحه، ويرثها الزوج الثاني ; لذلك . وإن مات الزوج الثاني، لم ترثه ; لأنها تنكر صحة نكاحه فتنكر ميراثه.
والله أعلم.