السؤال:

أنا مخطوبة وأنوي إن شاء الله الزواج بين العيدين، ولقد نصحني كثير من الناس في بلدي بعدم الزواج خلال هذه الفترة؛ حيث إنه من العادات الثابتة عندنا عدم الزواج خلال فترة العيدين.فما رأي الشرع؟ وهل وردت أحاديث من السنة النبوية الشريفة في ذلك؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

 

فإن الزواج بين العيدين في شوال أو بعده مشروع ، كما أنه مشروع في أي وقت، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم في شوال، ولذلك استحب بعض الفقهاء الزواج في شوال.

 

والتشاؤم بالزواج بين العيدين لا يجوز للمسلم، وهو ذنب تجب التوبة منه، وقد يكون ما يحدث لمن يتزوج في هذه الفترة من مكروه وهو متشائم؛ بسبب تشاؤمه.

 

 

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :

 

 

فهذا الاعتقاد لا أساس له من الدين، والذي في دين الإسلام أن شهر المحرم من الأشهر الأربعة الحرم التي عظمها الله، وحرم فيها القتال، وجعل الإثم والعدوان فيها أشد نكرًا منها في غيرها،

وسماه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شهر الله تشريفًا له، وقال للرجل الذي سأله عن صيام التطوع ” إن كنت صائمًا بعد رمضان فصم المحرم فإنه شهر الله، فيه يوم تاب الله على قوم، ويتوب فيه على

قوم آخرين ” وشهر هذا شأنه ينبغي أن يستبشر الناس به، ولا يحجموا عن الزواج فيه وأن يتخلصوا من هذه الأوهام التي خلفها في مصر الغلو الفاطمي الذي جعل من المحرم شهر حزن ونواح، وتجنبوا

فيه كل دواعي الفرح والسرور، ومنها الزواج.

 

إن الشهور والأيام كلها – في نظر الإسلام – ترحب بالزواج لأنه شعيرة من شعائر الدين وسنة من سنن رسوله الكريم ومن تزوج فقد أحرز شطر دينه وطوبى لمن أحرز شطر الدين.

 

 

ويقول فضيلة الشيخ عطية صقر – رئيس لجنة الفتوى الأسبق  بالأزهر رحمه الله ـ :

 

 

عقد الزواج في شهر شوال أو في شهر المحرم أو بينهما لا حرج فيه وليس بمكروه لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج في شوال؛ فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني رسول

الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بي في شوال فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت أحظى عنده مني ؟!

 

لقد حرَص كثير من الناس على تحرِّي عقد الزواج في يوم معين من الأسبوع، أو شهر معين من السنة، تحرِّيًا يترتب عليه أحيانًا نزاع أو تشاؤم ورجم بالغَيب عن فشل الزواج إن خولِف فيه المعتاد من

هذه الأوقات.

 

 

وهذه عادة جاهليّة ترد على بُطلانها السيدة عائشة بهذا الحديث، فقد كانوا يتطيّرون أي يتشاءمون من شهر شوال، لما في اسمه من معنى الإشالة والرفع، فيقال عندهم: شال لبن الناقة أي ارتفع

وقَلَّ، ويقال: شالَت الناقة بذنبِها إذا امتنعتْ عن الفحل أن يطرقَها. فهم يخافون أن تمتنعَ الزوجة عن زوجها إذا أرادها، ويقال: شالت نعامَتهم إذا ماتوا وتفرّقوا، والنَّعامة يُراد بها الجماعة، فالمُهم أنهم كانوا

يتطيَّرون بهذا الشهر ويمتنعون عن الزواج فيه..

 

وفي صحيح مسلم : قال عروة: وكانت عائشة تستحِبُّ أن تُدخل نساءَها في شوال.

 

 

قال النووي: وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه وما يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة التزوج والتزويج والدخول في شوال ؛ وهذا باطل لا أصل له وهو من آثار الجاهلية فقد كانوا

يتطيرون (يتشاءمون) بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع. أ هـ.

 

 

وقد ذكرت كتب السيرة أن النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ عقد لفاطمة بنتِه عَلَى عليِّ بن أبي طالب بعد بنائه بعائشة بأربعة أشهر ونصف الشهر، وحيث قد علَّمنا أن زواجه وبناءه بعائشة كان في

شوال فيكون زواج فاطمة في شهر صفر، وذكر بعضهم أنه كان في أوائل المحرّم.

 

ومهما يكن من شيء فلا ينبغي التشاؤم بالعقد في أي يوم ولا في أي شهر، لا في شوال ولا في المحرّم ولا في صفر ولا في غير ذلك، حيث لم يرد نصٌّ يمنع الزواج في أي وقت من الأوقات ما عدا

الإحرام بالحج أو العمرة. (انتهى).

 

 

ويقول الأستاذ الدكتور حسام الدين بن عفانة، الأستاذ بجامعة القدس:

 

 

الأصل في المسلم أنه لا يتطير ولا يتشاءم لأن الطيرة والتشاؤم من الشرك والعياذ بالله فقد جاء في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الطيرة شرك الطيرة

شرك ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال : حسن صحيح ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني.

 

 

وقال صلى الله عليه وسلم : ( من ردتـه الطيرة عن حاجته فقد أشرك . قالوا : فما كفارة ذلك ؟ قال : أن تقول : اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك ) رواه أحمد وابن السني وإسناد ابن

السني صحيح .

 

 

وجاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ ) رواه البخاري، والتطيّر هو التشاؤم .

 

واعتبر التطير شركاً لأن المتطيّر قطع توكّله على الله واعتمد على غيره، ولأنه تعلّق بأمر لا حقيقة له، والتشاؤم من الاعتقادات الجاهلية وما زال كثير منها منتشراً بين الناس في وقتنا الحاضر، والتشاؤم

من الزواج في شوال من الأمور التي كانت معروفة عند العرب في الجاهلية قال في صبح الأعشى : الشهر العاشر شوال سمي بذلك أخذا من شالت الإبل بأذنابها إذا حملت لكونه أول شهور الحج وقيل

من شال يشول إذا ارتفع؛ ولذلك كانت الجاهلية تكره التزويج فيه لما فيه من معنى الإشالة والرفع، إلى أن جاء الإسلام بهدم ذلك قالت عائشة رضي الله عنها فيما ثبت في صحيح مسلم: تزوجني

رسول الله في شوال وبنى بي في شوال فأي نسائه كان أحظى عنده مني .

 

وروى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده

مني ؟ قال : وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال ).

 

فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا على استحبابه، واستدلوا بهذا الحديث، وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه، وما يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة

التزوج والتزويج والدخول في شوال، وهذا باطل لا أصل له، وهـو من آثار الجاهلية، كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع.

 

 

وقال الحافظ ابن عبد البر في “التمهيد”: وكانت عائشة تنكر حديث الشؤم وتقول إنما حكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الجاهلية وأقوالهم وكانت تنفي الطيرة ولا تعتقد شيئا منها حتى

قالت لنسوة كن يكرهن الابتناء بأزواجهن في شوال ما تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في شوال وما دخل بي إلا في شوال فمن كان أحظى مني عنده وكانت تستحب أن يدخلن على

أزواجهن في شوال.

 

 

وقال ملا علي القاري في “المرقاة”:قيل إنما قالت هذا رداً على أهل الجاهلية فإنهم كانوا لا يرون يُمناً في التزوج والعرس في أشهر الحج .

 

وقال الحافظ ابن كثير في: البداية والنهاية: وفي دخوله عليه السلام بها في شوال رداً لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين .

 

 

وقال العلامة ابن القيم في “مفتاح دار السعادة”:

 

وقد كانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تستحب أن تتزوج المرأة أو يبنى بها في شوال وتقول : ( ما تزوجني رسول الله إلا في شوال ، فأي نسائه كان أحظى عنده مني ) مع تطير الناس بالنكاح

في شوال، وهذا فعل أولى العزم والقوة من المؤمنين الذين صح توكلهم على الله ، واطمأنت قلوبهم إلى ربهم ، ووثقوا به، وعلموا أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنهم لن يصيبهم إلا ما كتب

الله لهم ، وأنهم ما أصابهم من مصيبة إلا وهي في كتاب من قبل أن يخلقهم ويوجدهم ، وعلموا أنه لا بد أن يصيروا إلى ما كتبه وقدَّره ولا بد أن يجرى عليهم، وأن تطيرهم لا يرد قضاءه وقدره عنهم، بل

قد يكون تطيرهم من أعظم الأسباب التي يجري عليهم بها القضاء والقدر فيعينون على أنفسهم، وقد جرى لهم القضاء والقدر بأن نفوسهم هي سبب إصابة المكروه لهم فطائرهم معهم، وأما المتوكلون

على الله المفوِّضون إليه العالمون به وبأمره فنفوسهم أشرف من ذلك، وهممهم أعلى، وثقتهم بالله وحسن ظنهم به عدة لهم وقوة وجنة مما يتطير به المتطيرون ويتشاءم به المتشائمون، عالمون أنه لا

طير إلا طيره، ولا خير إلا خيره، ولا إله غيره، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.أ.هـ.

 

 

وذهب بعض أهل العلم إلى استحباب الزواج في شوال كما سبق في كلام الإمام النووي أخذاً من حديث عائشة السابق، ولكن الإمام الشوكاني يرى أن حديث عائشة لا يدل على استحباب الزواج في

شوال بل يدل على مجرد الإباحة واعترض على من قال بالاستحباب بقوله ـ في “نيل الأوطار”ـ : استدل بحديث عائشة على استحباب البناء بالمرأة في شوال؛ وهو إنما يدل على ذلك إذا تبين أن النبي

صلى الله عليه وسلم قصد ذلك الوقت لخصوصية له لا توجد في غيره؛ لا إذا كان وقوع ذلك منه صلى الله عليه وسلم على طريق الاتفاق وكونه بعض أجزاء الزمان؛ فإنه لا يدل على الاستحباب، لأن

الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل وقد تزوج صلى الله عليه وسلم بنسائه في أوقات مختلفة على حسب الاتفاق؛ ولم يتحر وقتاً مخصوصاً، ولو كان مجرد الوقوع يفيد الاستحباب لكان كل وقت من

الأوقات التي تزوج فيها النبي صلى الله عليه وسلم يستحب البناء فيه وهو غير مسلم.

 

 

 

وخلاصة الأمر أنه لا يجوز التشاؤم بالزواج بين العيدين والزواج بينهما مباح ومشروع وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بين العيدين .‏‏

 

والله أعلم.