السؤال:

ما حكم التعامل في الدولار في السوق الخفية والتي يطلق عليها : " السوق السوداء " هل هذا جائز شرعاً أم منهي عنه؟ ، ولاسيما أن الدولار غير موجود أو متاح في البنوك والمصارف وأن هناك ضرورة إليه لتمويل عمليات الاستيراد والعمرة والحج؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
لا يجوز لتجار العملة أن يحددوا سعرا للصرف خلافا للسعر الذي تحدده الدولة؛ لأن هذا يؤدي إلى الإضرار باقتصاد البلاد، والضرر نهينا عنه شرعا ففي الحديث (لا ضرر ولا ضرار) ولكن في المقابل يتعين على الدولة أن تعمل على معالجة النظام النقدي والاقتصادي للدولة، ولا حرج على من اضطر للتعامل مع تجار السوق السوداء إذا لم يجد لدى المصارف الرسمية ما يفي بحاجته والإثم يقع على الدولة.

وإليك فتوى فضيلة الدكتور حسين شحاتة -أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر-:
لقد تضمنت كتب الفقه الإسلامي الضوابط الشرعية التي تضبط عمليات تحويل عملة إلى عملة،
وهذا ما يسمى بفقه الصرف، والذي يقوم على أن النقود ليست سلعة تباع وتشترى، ولكن وسيلة من وسائل التداول والقياس والتثمين والتقويم ، ويجب أن يكون التبادل في الحال يداً بيد ، وحرم الفقهاء العمليات الآجلة في النقود وما في حكمها .
وفي ظل سوق حرة خالية من الاحتكار والغش والتدليس والغرر والجهالة والربا … وكل صور أكل أموال الناس بالباطل يكون سعر الصرف الحر هو الذي يعكس قيمة النقد بالنسبة للدولة المصدرة للنقد ، ومن مسئولية الحكومة أن تحافظ على وجود هذه السوق والتدخل إذا ما حدث خلل ، وإذا تبين لولى الأمر أن هناك معاملات صرفية لا تلتزم بالضوابط الشرعية يجوز له التدخل لحماية المعاملات ولمنع الضرر الذي قد يصيب المتعاملين أو سوق النقد أو الاقتصاد .

حكم سعر الصرف في السوق الخفية (السوداء).
تظهر السوق الخفية في معاملات الصرف عندما يحدث خلل في سوق النقد لسبب، أو لآخر مثل أن الدولة حددت سعر الصرف ويوجد نقص شديد في العملة الأجنبية وهناك طلب كبير عليها أو أن سعر الصرف المحدد من قبل الدولة لا يمثل القيمة العادلة .
ومن الأسباب التي تؤدي إلى ظهور السوق الخفية ما يلي:
[1] ـ الإشاعات الكاذبة أن قيمة الجنيه سوف تنخفض فيهرع الناس إلى شراء العملات الأجنبية فيزاد الطلب فيرتفع السعر.
[2] ـ عصابات تهريب العملة والتلاعب في الأسواق النقدية من خلال عصابات متخصصة في ذلك والرقابة عليها ضعيفة .
[3] ـ عمليات غسيل الأموال المختلفة ولاسيما في المعاملات غير الشرعية وغير القانونية
[4] ـ نقص العملة الأجنبية فجأة بسبب العجز في الرصيد الاحتياطي الذي تحتفظ به الدولة واللازم لتحقيق التوازن بين العرض والطلب في سوق النقد .
وبذلك تظهر السوق الخفية لسعر الصرف عندما يكون هناك سعران

السعر الرسمي والسعر الآخر (سعر السوق السوداء).
ويرى فريق من فقهاء الاقتصاد الإسلامي تحريم أسعار السوق السوداء، أو التعامل فيها؛ لأن هذا يسبب أضراراً جسيمة بالمتعاملين الصغار، وبسوق النقد، وبالاقتصاد القومي ، ومن أساليب معالجة الخلل في سوق النقد إصلاح النظام النقدي، والمالي والاقتصادي للدولة ، وترشيد السياسات النقدية، والرقابة الفعالة على المعاملات والعقاب لمن يفسد في المعاملات.

ضوابط الضرورة الشرعية للتعامل في السوق الخفية .
في حالة عدم قيام الحكومة بإصلاح النظام النقدي واتخاذ السياسات النقدية الرشيدة لتوفير النقد الأجنبي المطلوب ، وأن هناك ضرورة معتبرة شرعاً للحصول على ذلك النقد ، فلا مناص من الحصول عليه من السوق الخفية، وتعتبر الحكومة هي الآثمة في هذه الحالة ، ويطبق في هذه الحالة القاعدة الشرعية : ” الضرورات تبيح المحظورات ” .

ويشترط في الضرورة في هذه الحالة ما يلى :
امتناع البنوك وشركات الصرافة من القيام بعمليات الصرف بدعوى أنه لا يوجد لديها العملات الأجنبية المطلوبة فهي بذلك تساعد على إيجاد السوق الخفية ، بل يطلب من العملاء أحياناً الذهاب إلى تلك السوق لتوفير النقد الأجنبي المطلوب .
عجز الحكومة من توفير النقد الأجنبي للمتعاملين من خلال البنوك وشركات الصرافة وما في حكم ذلك ويعتبر الوزير المختص مسئولاً عن حماية سوق النقد واتخاذ السياسات النقدية لإيجاد التوازن .
هناك ضرورة معتبرة شرعاً للحصول على النقد الأجنبي مثل تمويل استيراد سلع ضرورية والمجتمع في حاجة إليها ، أو لتمويل الحج والعمرة باعتبار ذلك من الحاجات الأصلية للإنتاج أو لتمويل السفر للعلاج ونحو ذلك .

ومن المعاملات المنهى عنها شرعاً في هذا المقام ما يلي:
*احتكار العملات الأجنبية لإحداث الغلاء في سعر الصرف .
*اكتناز العملات الأجنبية لدى المؤسسات المالية والنقدية أو لدى فريق من رجال المال.
*العمل في مجال المضاربات غير المشروعة على العملات الأجنبية في أسواق النقد .
*التلاعب بالإشاعات المغرضة حول أسعار الصرف ، ويعتبر ذلك من الكسب غير المشروع .
*استغلال الثغرات في نظم الرقابة الحكومية للحصول على الكسب غير المشروع من التعامل بالنقد .
وفي كل الأحوال لن تعالج هذه القضية إلاّ من خلال الحكومة القدوة التي تلتزم بشرع الله عز وجل ويكون لديها سياسات نقدية تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية .
والله أعلم