السؤال:

لماذا جعل الإسلام دية المرأة على النصف من دية الرجل ؟ أليس في هذا انتقاص لقدر المرأة ؟ وأين هذا من تكريم الإسلام لها ؟ هذا ما يقوله بعض الحاقدين ، والحق أن هذا مما يدور بأذهاننا استفاهما لا تشكيكا ، فكيف نرد عليهم؟ وكيف نطمئن قلوبنا ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:-

يرى جمهور الفقهاء أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ، وليس ذلك تقليلا لشأنها ، ولكن لأن الدية لا تدفع ثمنا للمقتول ، بل تدفع تعويضا لأهل المقتول عما لحقهم من ضرر ، فلما كان الضرر المادي في فقد الرجل أعظم منه في فقد المرأة جعلت ديتها على النصف منه في قتل الخطأ ؛ ولذلك وجب على القاتل خطأ من الكفارة في قتل المرأة ما وجب عليه في قتل الرجل وهو صيام شهرين متتابعين من غير فرق .
وأما في قتل العمد فلا يقبل من القاتل سوى القصاص حتى لو كان المقتول امرأة أو طفلا رضيعا إلا أن يعفو أهل المقتول .

يقول الدكتور مصطفى الزرقاـ رحمه الله ـ (من كبار علماء سوريا) :-
إن جمهور الصحابة والتابعين وعلماء الأمة من أهل الحديث والفقه مجمعون على أن دية المرأة إذا قُتلت بخطأ هي نصف دية الرجل.
ومستندهم جميعا في ذلك حديث معاذ بن جبل (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “دية المرأة نصف دية الرجل”.
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: إنهم اتفقوا في دية المرأة أنها على النصف من دية الرجل في النفس فقط، واختلفوا فيما دون النفس.
أقول، وقد استقر هذا قاعدةً أساسية في باب الديات من كتب المذاهب الفقهية الأربعة: إن دية المرأة في النفس إذا قُتلت بخطأ هي نصف دية الرجل.
هذا وقد أصبحت هذه القضية، أعني نقصان دية المرأة عن دية الرجل بقدر النصف في حكم الشريعة الإسلامية، تثير في عصرنا الحاضر نوعًا من الحساسية في الأوساط التي ترفع شعار التقدمية، بعد أن أصبحت المرأة تزاحم الرجل بمنكب ضخم في مختلف المجالات والميادين: في الجامعات طالبة وأستاذة، وفي جميع الوظائف العامة في الدولة، وفي المحاماة القانونية أمام القضاء، وفي المجالس النيابية والوزارات، بل في رئاسة الحكومة، وفي رئاسة الدولة، وكل ميدان آخر.
وهنا يتساءلون: هل المرأة في نظر الإسلام نصف إنسان حتى تكون ديتها نصف دية الرجل، ونحن في القرن العشرين؟ وقد خصصت المنظمات الدولية عاما خاصا أسمته “عام المرأة”؛ تقديرا لمكانتها، وإنصافا لها.
وهكذا يتجاهلون كل ما جاء به الإسلام من إنصاف للمرأة، ومن إحياء لحقوقها التي كانت قبله مُماتة، ومن حفاظ على كرامتها، وحماية لها، ويستنكرون أن تكون ديتها نصف دية الرجل.
وبهذه المناسبة أذكر أنه: لما أراد الرئيس الباكستاني “السيد ضياء الحق” (رحمه الله) إصدار قانون للقصاص للديات، وفقًا لأحكام الإسلام، ووضع مشروع قانون، جاء فيه أن دية المرأة نصف دية الرجل، قام في وجهه مئات التقدميين من بعض وزرائه، ومن رجال القانون، والجامعيين، والقيادات النسائية.. فاستدعاني مع الدكتور “محمد معروف الدواليبي”، فذهبنا، واجتمعنا بكل فئة منهم في يوم مستقل بهم، وتناقشنا في ضوء نصوص الشريعة، وواقع الحياة والمعقول، فاقتنعوا جميعا بحكمة ما جاءت به الشريعة الإسلامية وبعدالتها في ذلك. وكانت القيادات النسائية نفسها في طليعة المقتنعين بعد أن أوضحنا لهم وأثبتنا النقاط التالية التي كانت غائبة عن أذهانهم.

النقطة الأولى: أن قضية الدية المالية ليست مشروعة في القتل الإجرامي المتعمد، إنما هي محصورة في قتل الخطأ الذي انتفت منه فكرة التعدي على الروح الإنسانية. وقد يكون الفاعل المخطئ أكثر ألمًا وأسفًا لما حصل منه دون قصد إجرامي. فقد تقتل الأم طفلها الوحيد إذا غلبها النوم، وهو بجانبها ترضعه، فانقلبت عليه واختنق، ثم تقضي عمرها حزينة عليه.

النقطة الثانية: أن الدية المشروعة ليست عقوبة زاجرة، إنما هي تعويض عن الضرر المادي الذي لحق بآل القتيل؛ لأن المخطئ هو الأوْلَى بأن يتحمل هذا التعويض، ولو كان حَسَن النية. ومبدأ التعويض هذا تقوم عليه نظم العالم المتمدن أجمع، في كل ضرر في الأنفس أو الأموال نشأ من خطأ غير مقصود.

ومن قواعد هذا المبدأ ومسلماته: أن التعويض في كل فعل ضار يجب أن يكون بقدر الضرر المباشر الحاصل للمضرور. وانطلاقًا من هذا المبدأ، خلال مناقشاتنا في باكستان حول مشروع قانون القصاص والديات إذ ذاك، طرحنا على جميع الفئات السؤال التالي: هل في واقع الحياة الاجتماعية والاقتصادية في جميع البلاد حتى في أمريكا وأوروبا، في الحالات العادية بوجه عام، من الناحية المادية، يكون ضرر الأسرة بفقد ربها هو الضرر الأكبر، أو بفقد ربتها؟ فكان الجواب من جميع الفئات أن فقدان رب الأسرة هو الأعظم ضررًا عليها، حتى في البلاد التي يتساوى فيها الرجل والمرأة في جميع الحقوق والميادين؛ ذلك لأن النشاط العملي والاكتسابي من رب الأسرة، ومردودَه عليها يبقى هو الشيء الأساسي وعماد الخيمة في حياة الأسرة.
قلنا لهم عندئذ: إن الإسلام قد قدّر بلسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا التفاوت بالنصف والضعف، فجعل دية المرأة على النصف من دية الرجل فماذا في ذلك؟

فخطأ من يتوهمون أن في ذلك انتقاصًا من القيمة الإنسانية للمرأة، وإنما نشأ من تصورهم وتوهمهم أن الدية هي جزاء رادع لمجرم. وهذا غلط وخروج بالدية عن طبيعتها وهدفها في قانون الشريعة الإسلامية، بل في جميع الشرائع الوضعية أيضا. فمن أول شرائط الجريمة بمفهومها القانوني والاجتماعي: القصد الإجرامي. وإن الخطأ مفروض في معناه عكسُ ذلك تماما، وهو انتفاء القصد الإجرامي.

النقطة الثالثة: أن الميزان الصحيح لتقويم قيمة المرأة من الناحية الإنسانية إنما يتجلى فيما يرتبه النظام من عقوبة زاجرة على القصد الإجرامي في القتل العمد العدواني. وأن الإسلام قد سوى في هذه الناحية بين الرجل والمرأة حين أوجب أن يقتل الرجل بالمرأة قصاصا، كما تقتل المرأة بالرجل. أما حالة الخطأ البريء، وما يجب فيه من تعويض عن الضرر المادي الحاصل منه، فليست هي ميزان القيمة الإنسانية.

على أنه، نظرًا إلى أن الخطأ في العادة غالبا ما يلابسه شيء من قلة الاحتراس والاحتياط، ولو انتفى منه القصد الإجرامي، شرع الإسلام، إلى جانب الدية في القتل الخطأ، كفارة ذات مشقة؛ لتكون تطهيرا دينيا للمخطئ، ولتشد انتباهه ويقظته أكثر إلى جانب الحيطة والحذرة.

هذا، وقد ناقشني أحد العلماء الأفاضل منتقدا قولي بأن الدية في جناية الخطأ هي مجرد تعويض عن الضرر الذي ألحقه الجاني بالضحية وأسرته، وليست عقوبة، واحتج بأن الدية تُفرض شرعًا على عاقلة الجاني.
فأجبته بأن هذا حجة لي حاسمة، وليس دليلا على أنها عقوبة؛ ذلك لأن العقوبات في الإسلام تخضع لقاعدة عامة خالدة قررها القرآن الكريم بقوله تعالى: “ولا تزر وازرة وزر أخرى”. فلو كانت الدية عقوبة لَمَا جاز فرضها على عاقلة الجاني، وإلا صدق عليها قول شيخنا أبي الطيب المتنبي:
وحلَّ بغير جارمه العذاب!! وجُرمٍ جرّه سفهاء قوم
ولكن لما كانت الدية تعويضًا عن الضرر الذي ألحقه الجاني المخطئ غير المتعمد بغيره، وكانت الدية قد تبهظه، وهو بريء النية في خطئه، ليس لديه القصد إلى الإجرام العدواني، كان مستحقًا للمعاونة على مصيبته، فجعلت على عاقلته معاونة له فيها. ولذلك أعلن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن العواقل لا تعقل العمد؛ لأن المتعدي المتعمد بالقتل قد رتب الإسلام له القصاص عقوبة زاجرة رادعة، وليس الدية.

والله أعلم.