السؤال:

نريد أن نعرف موقف الشريعة الإسلامية من الاعتداء على السفن في المياه الدولية، وإن أمكن موقف القانون الدولي ؟ ولكم جزيل الشكر

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

تحترم الشريعة الإسلامية الملكية الخاصة، ولا تتدخل في شئون الغير، وتحترم الاتفاقات الدولية، وتحرم الشريعة الإسلامية الظلم أيا كان نوعه ومكانه، سواء الظلم في البر أو القرصنة في البحر، ولفقهاء المسلمين وقادتهم أمثلة رائعة في ردع القرصنة واحترام الاتفاقيات الدولية. وجاء القانون الدولي باتفاقاته الحديثة لينهل بعضا من دررها ويتفق معها في تجريم القرصنة ، سواء من الدول أو الأفراد ومحاربتها .

أولا : الشريعة الإسلامية تحارب القرصنة ( الاعتداء على السفن ) :

لاشك أن القرصنة لا تتفق مع الإسلام لأنه يترتب عليها ابتزاز الأموال أو الاعتداء على السلامة الجسدية أو حياة الأشخاص فضلا عن كونها عائقا خطيرة أمام حرية المجاري البحرية الدولية لذلك يطلق ابن عابدين على القراصنة اسم اللصوص والقطاع .

وقد حارب الإسلام مقدمات القرصنة فحرم الظلم ، ومنع أخذ حقوق الغير فقد تطرق القرآن الكريم إلى الاعتداء على السفن من جانب سلطات الدولة في سورة الكهف قصة سيدنا موسى والخضر عليه السلام :

يقول تعالى: “أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا” (الكهف: 79).

ولا يشكل ذلك قرصنة لأن هذه الأخيرة تفترض ارتكاب الفعل من أفراد عاديين ولتحقيق غرض خاص، وإنما يمكن تكييف ذلك بأنه يعتبر نوعا من أنواع الغصب أو المصادرة غير المشروعة يمثل اعتداء على حرية الملاحة السلمية الدولية لما فيه من اعتداء على السفن وتحويل مسارها تمهيدا لغصبها أو مصادرتها.

والآية السابقة إن دلت على استهجان غصب السفن من جانب سلطات الدولة فإن قيام الأفراد بذلك عن طريق القرصنة يكون مستهجنا من باب أولى.

وجود القرصنة منذ القدم :

ويحكى ابن جبير ما كان يحدث منذ أكثر من ثمانية قرون فيقول إن ملك صقلية أرسل إلى ركاب سفينة – كان هو فيها – زوارق أغاثت مركبهم، ولولا ذلك لانتهبت جميع ما في المراكب انتهابا، وربما كان يستعبد جميع من فيه من المسلمين لأن العادة جرت لهم ذلك.

فقهاء المسلمين يحرمون الاعتداء على السفن في البحر ولو كانت مملوكة لأهل الحرب :

أكد فقهاء المسلمين على عدم جواز الاعتداء على السفن في البحر حتى ولو كانت مملوكة لأهل دار الحرب غير المسلمين :

1- يقول الإمام أحمد: “إذا ركب القوم في البحر فاستقبلهم فيه تجار مشركون من أرض العدو، ويريدون بلاد الإسلام لم يعرضوا لهم، ولم يقاتلوهم، وكل من دخل بلاد المسلمين من أرض الحرب بتجارة بويع ( يتم البيع له ) ولم يسأل عن شيء”.

2- وأكد فقهاء المسلمين على ضرورة محاربة القراصنة بكل السبل وذلك بعد التأكد أنهم قراصنة : “وإن جاءت البوارج، وقال أهل المركب عن هذه بوارج الهند، ولم يرتب المسلمون في ذلك وغنمهم أهل المركب واطمأن قلب هذا المسلم أنهم هم العدو ورأى فيهم علامات أهل الشرك، وهم في الموضع الذي قد اعتاد أهل الحرب من أهل الشرك يقطعون فيها السبل، ويسلبون الناس، وصح ذلك معه وتقرر في قلبه فلا بأس عليه في ذلك”.

3- ومما يدل على محاربة القرصنة والقراصنة، ما حدث في عهد عثمان – رضي الله عنه – عندما بلغه أن قوما من الحبشة أغاروا على بعض سواحل المسلمين وأصابوا منهم أموالا، وسبوا منهم سبيا كثيرا فاغتم لذلك عثمان غما شديدا، ثم أرسل إلى جماعة من الصحابة وغيرهم من المسلمين فدعاهم واستشارهم في غزو الحبشة فأشار عليه المسلمون ألا يغزوهم في بلادهم، ولا يعجل عليهم حتى يبعث إلى ملكهم فيسأله عن ذلك فإن كان الذي فعله أصحابه عن أمره ورأيه هيأ له المراكب، وأرسل إليه بالجند والمقاتلة، وإن كان ذلك من ساقها (عوام الناس) أغاروا على سواحل المسلمين عن غير أمر ملكهم فرأيه أن يشحن السواحل بالخيل والرجال حتى يكونوا على حذر.
فعمل عثمان على ذلك، ثم دعا محمد بن مسلمة الأنصاري فوجهه إلى ملك الحبشة في عشرة نفر من المسلمين يسأله عما فعل بأصحابه، وكتب إليه عثمان في ذلك كتابا، فلما قدم محمد بن مسلمة بكتاب عثمان وقرأه أنكر ذلك أشد الإنكار، وقال ما لي بذلك من علم ثم أرسل إلى قرى الحبشة في طلب السبي فجمعهم بأجمعهم، ودفعهم إلى محمد بن مسلمة فأقبل بهم إلى عثمان وخبره بما كان من إنكار ملك الحبشة، وطلب السبي فشحن عثمان السواحل بعد ذلك بالرجال وقواهم بالسلاح والأموال فكانوا ممتنعين من الحبشة وغيرهم.

ولا شك أن هذه القصة فيها من العبر ما يلي:
أولا: ضرورة التثبت من أي خبر أو تصرف قبل الرد عليه على الصعيد الدولي.
ثانيا: إن مسئولية الدولة تثبت فقط إذا صدر التصرف عن أجهزتها أو أحد المسئولين فيها ولا مسئولية عليها عما إذا ارتكب ذلك فرد عادي بشرط عدم وجود تقصير من جانبها.
ثالثا: إن المسلمين عرفوا استخدام الرسل والمفاوضين الدوليين كوسيلة لحل المنازعات الدولية حتى في إطار قانون البحار.
رابعا: إن المسلمين منذ العصور الأولى للدولة الإسلامية حاربوا القرصنة بكل الوسائل.

4- ويذكر المسعودي (في التنبيه والإشراف) أنه في عهد المعتصم قبض على سفن ومراكب هندية كثيرة منها سفن القراصنة الذين كانوا يمارسون عمليات القتل والسلب والسرقة في المنطقة التي كانت تقع بين واسط والبصرة وعمان وساحل فارس.

5- ويذكر البلاذري أن السبب المباشر لفتح بلاد السند يرجع إلى القصة الآتية: “فقد أرسل ملك سيلان إلى الحجاج بن يوسف الثقفي بعض الفتيات المسلمات اللائى ولدن في مملكته، وكن يتيمات، بسبب موت آبائهن التجار في الجزيرة، ولكن حدث أن قبائل البوارج -وهم قرصان البحر في المحيط الهندي- هاجموا السفينة التي تحمل هؤلاء الفتيات واتخذوهن سبايا فغضب الحجاج، وطالب في الحال من زعيم البوارج بإطلاق سراح الفتيات، ولكنه لم يلب طلب الحجاج إمعانًا منه في السخرية بما طلب منه، فأرسل الحجاج جيشًا بقيادة القائد الشاب محمد بن القاسم الثقفي، وتبع هذا الجيش أسطول بحري ساعد ابن القاسم أيضًا.

6- ويحكي ابن حيان أنه في سنة أربع وثلاثين ومائتين: “غزى الأمير عبد الرحمن أسطولاً من ثلاثمائة مركب إلى أهل جزيرتي ميوركة ومنوركة (أسبانيا) لنقضهم العهد وإضرارهم بمن يمر إليهم من مراكب المسلمين، ففتح الله للمسلمين عليهم، وأظفرهم بهم”.

7- ومن المعروف أن الرشيد بلغ نفوذه حدًّا أدى إلى التأثير في أعمال خوارج البحر المسلمين وإحجامهم عن مهاجمة الشواطئ الفرنجية والإيطالية. لذلك بعد وفاته كتب البابا “ليون الثالث” إلى “شارلمان” أنه إذا كان خوارج البحر المسلمين لا يحترمون بعد حرمة الشواطئ الفرنجية، فذلك لأن نفوذ الخليفة في نفوسهم قد غاص بعد وفاته.

8- وجاء في مرسوم السلطان قايتباي إلى عماله بالتطبيق للشروط المتفق عليها مع فلورنسا ما يلي:
“جرى العرف أنه إذا نهب قراصنة المسيحيين سفن المسلمين في البحر ثم جاءت سفنهم إلى موانينا فإن تجارنا وعمالنا يجبرونهم على دفع تعويض عما لحق بالمسلمين من أضرار بواسطة قراصنة المسيحيين – فنأمرك أيها الأمير أن تبطل هذا، وألا يجبر هؤلاء التجار على دفع التعويض أيًّا كان، ولا يؤخذوا بجريرة القراصنة المسيحيين، ويوضع هذا الأمر موضع التنفيذ مثل ما هو متبع مع البنادقة( نسبة إلى البندقية بإيطاليا ) تمامًا”.و “إذا وجدت سفنهم في أي مكان تابع للسلطان وهاجمتها سفن القراصنة فعليكم مد يد المعونة لها، ومساعدتها في كل ما تطلبه.. لذلك نأمرك أيها السيد الأمير اتباع ذلك معهم مثل ما هو متبع مع طائفة البنادقة.” .

ثانيا : أعمال القرصنة في القانون الدولي :

نظم القانون الدولي كثيرا من المواد التي تضمن حرية الملاحة البحرية وكيفية محاربة أعمال القرصنة، فقد تضمنت مواده من 101 – 107 كيفية محاربة أعمال القرصنة والتي تتمثل في استخدام أعمال العنف غير المشروع أو احتجاز السفن أو الأشخاص أو أي عمل من أعمال السلب يهدف إلى تحقيق أغراض خاصة.أ.هـ

نقلا عن كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية في شريعة الإسلام . للأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفا – كلية الحقوق جامعة القاهرة .

والله أعلم .