السؤال:

ما حكم الشريعة الإسلامية في تزييف النقود وترويج هذه النقود المزيفة ؟

الجواب:

تزييف النقود من أشد الأمور المحرمة في الإسلام لأنه من إشاعة الفساد في البلاد وتدمير أقوات الناس، وعلى من حصل له في ماله شيء زائف عليه ألا يروجه حتى لا يشيع التعامل بالزائف، وقد قضى بعض الفقهاء بأن التزييف أشد حرمة من السرقة لأن السرقة معصية واحدة تضر شخصا واحدا. أما التزييف فهو أكثر من معصية وهو يصيب المجتمع بأسره.
يقول فضيلة الشيخ أحمد الشرباصي من علماء الأزهر ـ رحمه الله:
قد يكون من الخير أن ننقل عن حجة الإسلام الإمام الغزالي عبارة له ذكرها في كتابه الجليل: ” إحياء علوم الدين ” حينما تحدث عن أنواع الأمور المُحرمة؛ لأن ضررها يعمُّ، فبعد أن ذكر النوع الأول وهو الاحتكار قال: ” النوع الثاني ترويج الزائف من الدراهم في أثناء النقد، فهو ظلم، أو يستضر به المعامل إن لم يعرف، وإن عرف فسَيروجه على غيره، فكذلك الثالث والرابع، ولا يزال يتردَّد في الأيدي، ويعمُّ الضرر ويتَّسع الفساد، ويكون وِزْرُ الكُلِّ ووَبَالُهُ راجعًا إليه، فإنه هو الذي فتح الباب.
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “من سَنَّ سُنَّةً سيئة فيعمل بها مَن بعده كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عمِل بها، لا يَنقص مِن أوْزارِهم شيئًا”.
وقال بعضهم: “إنفاق درهم زَيْف أشدُّ مِن سرقةِ مائةِ درهمٍ”. لأن السرقة معصية واحدة، وقد تمَّتْ وانقطعت، وإنفاق الزَّيْفِ بدْعةٌ أظهرها في الدين، وسُنَّة سيئة يعمل بها مَن بعده، فيكون عليه وِزْرُهَا بعد موته إلى مائة سنة أو مائتي سنة، إلى أن يفنَى ذلك الدرهم، ويكون عليه ما فسد من أموال الناس بسببه.
وطُوبى لمَن إذا مات ماتتْ معه ذُنوبه، والويل الويْل لمَن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة، أو مائتي سنة، أو أكثر، يُعذَّب بها في قبره، ويُسأل عنها إلى آخر انقراضها.
قال ـ تعالى ـ: (ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)0 (يس: 12). أي نكتب ـ أيضًا ـ ما أخَّروه من آثار أعمالهم، كما نكتب ما قدَّموه، وفي مثله قوله ـ تعالى ـ: (يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ)0 (القيامة: 13). وإنما أخَّر آثار أعماله من سنة سيئة عمل بها غيره.
وليعلم أن في الزيف خمسة أمور:
الأول: أنه إذا ورد عليه شيء منه فينبغي أن يطرحه في بئرٍ بحيث لا تمتد إليه يدٌ، وإياه أن يُرَوِّجه في بيع آخر، وإن أفسده بحيث لا يمكن التعامل به جاز.
الثاني: أنه يجب على التاجر تعلُّمُ النَّقْدِ، لا لِيستقصي لنفسه، ولكن لئلاَّ يُسلم إلى مسلمٍ مُزَيَّفًا وهو لا يدري، فيكون آثمًا بتقصيره في تعلُّم ذلك العلم، فلكل عملٍ علْمٌ يتمُّ به نُصْحُ المسلمين، فيجب تحصيله، ولمثل هذا كان السلف يتعلمون علامات النقد نظرًا لدِينِهم لا لدُنْيَاهُم.
الثالث: أنه إن سلَّم وعرَّف المُعامل أنه زَيْفٌ لم يخرج عن الإثم؛ لأنه ليس يأخذه إلا لِيُرَوِّجُهُ على غيره، ولا يُخبره ولو لم يعزم على ذلك لكان لا يرغب في أخْذه أصلاً، فإنما يتخلَّص من إثم الضرر الذي يَخُصُّ مُعامله فقط.
الرابع: أن يأخذ الزيف ليعمل بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ” رحم اللهُ امرءًا سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء “. فهو داخل في بركة هذا الدعاء إن عزم على طرحه في بئر، وإن كان عازمًا على أن يروجه في معاملة، فهذا شر روَّجه الشيطان عليه في معرض الخير، فلا يدخل تحت مَن تساهل في الاقتضاء.
الخامس: أن الزيف نعني به ما لا نُقْرَةَ فيه أصلاً ( والنقْرة: القطعة من الذهب ) بل هو مُموه، أو ما لا ذهب فيه، أعني في الدنانير، أما ما فيه فإن كان مخلوطًا بالنحاس، وهو نقد البلد، فقد اختلف العلماء في المعاملة عليه، وجُلُّ رأينا الرُّخْصة فيه ( أي جوازه ) إذا كان ذلك نقد البلد، سواء علم مقدار النقْرة أو لم يعلم، وإن لم يكن هو نقد البلد لم يَجُزْ، إلا إذا علم قدر النقرة، فإن كان في ماله قطعةٌ نُقْرتها ناقصة عن نقد البلد فعليه أن يُخبر به معامله.
وقد كان السلف يَحتاطون في مثل ذلك، حتى رُوي عن بعض الغزاة في سبيل الله أنه قال: حملت على فرسي لأقتل عِلْجًا: أي كافرًا مُجرمًا ) فقصَّر بي فرسي، فرجعت، ثم دنا مني العلْج فحملت ثانية، فقصَّر فرسي فرجعت، ثم حملت الثالثة فنفَرَ مني فرسي، وكنت لا أعتاد ذلك منه، فرجعت حزينًا، وجلست مُنكَّس الرأس منكسر القلب لمَا فاتني من العلْج، وما ظهر لي من خُلُق الفرس، فوضعت رأسي على عمود الفُسطاط وفرسي قائم، فرأيت في النوم كأن الفرس يُخاطبني ويقول لي:” بالله عليك أردتَ أن تأخذ على العلْج ثلاث مرات وأنت بالأمس اشتريتَ لي علفًا، ودفعت في ثمنه درهمًا زائفًا ؟ لا يكون هذا أبدًا “. قال: فانتبهت فزِعًا، فذهبت إلى العلاَّف، وأبدلت ذلك الدرهم”.


الوسوم: