السؤال:

تنتشر في كثير من البلدان دور كفالة اليتامى وعمل الخير، وتقوم أحيانا على هذه الدور بعض المؤسسات غير المسلمة -القبطية مثلا- فهل يجوز لغير المسلم أن يكفل مسلما؟ وما ضوابط ذلك إن كان جائزا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

يعيش أهل المجتمع الواحد خاصة المسلمين حياة متكافلة ، يعطي الغني فيهم الفقير ، ويعيش غير المسلمين في ظلهم كذلك متكافلين، فإذا ما أراد الغني من غير المسلمين أن يكفل مسلما، أو يفتح دارا لكفالة الأيتام، فلا حرج في ذلك ، بشرط ألاّ يكون له من وراء ذلك غرض تبشيري أو تنصيري، وتقتصر المهام على فعل الخير .

يقول الأستاذ الدكتور : على السرطاوي – رئيس قسم الفقه في كلية الشريعة بجامعة النجاح ـ نابلس ـ فلسطين :

المقصود بالكفالة – كما نفهم من كلام السائل- هي الكفالة المالية . وغير المسلم لا يمنع من أوجه البر والخير في داخل الدولة الإسلامية؛ فإن أراد أن ينفق على يتيم فلا يوجد أي مانع شرعي من ذلك، خاصة أن إخواننا من غير المسلمين في بلادنا العربية والإسلامية نعيش وإياهم حياة واحدة وهمًّا واحدا، وحياة متكافلة. ونقتدي بقوله صلى الله عليه وسلم: لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

وواجب التكافل العام في المجتمع يوجب على كل أفراده أن يقوموا بكفالة الأطفال الأيتام وذوي الحاجات ومراعاة شؤونهم، وهذا الواجب يشمل كل مواطني الدولة، وواجب كفالة اليتيم يشمل كل الأطفال بغض النظر عن دينهم كذلك.أ.هـ

ويقول فضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر السابق رحمه الله:

إن البر والإحسان إلى الناس في الإسلام والتعاون بينهم في الطاعات وإقامة المصالح العامة كل ذلك جائز بين أهل الأديان المختلفة ؛ لأنها جميعا قد أمرت بالتراحم والتواصل والتعاون على البر، وقد ضرب الإسلام المثل الأعلى بالبر بغير المسلمين، فقد روى ابن أبى شيبه (‏ مصنف ابن أبى شيبة)‏ عن جابر بن زيد أنه سئل عن الصدقة فيمن توضع فقال في أهل ملتكم من المسلمين وأهل ذمتهم، وقال (‏وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في أهل الذمة من الصدقة والخمس)‏ .‏

ولقد أباح الله سبحانه في القرآن الكريم تناول طعام أهل الكتاب وتزوج نسائهم في قوله تعالى : {‏ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }‏ المائدة ‏5 ، توجهنا الآية الكريمة إلى حل التعامل مع أهل الكتاب (‏اليهود والنصارى)‏ وتبادل المنافع معهم وإباحة طعامهم ضيافة وشراء والتزوج من نسائهم .‏

وفي (‏ كتاب الأموال لأبى عبيد)‏ أن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وهو من خلفاء المسلمين العلماء العاملين كتب إلى عامله على البصرة كتاباً ومما جاء فيه :

(‏وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وخلت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه)‏ -‏ ومعناه اجعل لمن هذا حاله راتبا دوريا ، ولا تدعه حتى يطلب بنفسه .‏

وبهذا الأساس قال فقهاء مذاهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله بجواز الهبة والوصية من غير المسلم للمسلم .‏ باعتبارها من عقود التبرعات والصلات التي تجوز بين أهل الأديان مادامت لغير معصية .‏

ولقد نص الفقه الشافعي صراحة على جواز وصية غير المسلم ببناء مسجد للمسلمين، ولما كانت الوصية من عقود التبرعات، وكانت جائزة من غير المسلم ببناء مسجد للمسلمين، كان التبرع من غير المسلم فورا ببناء المسجد أو المساهمة في بنائه جائزا .‏ ويلحق به أعمال الخير .

والله أعلم .

 

ويمكنكم قراءة الفتوى التالية

 

كفالة يتامى غير المسلمين