السؤال:

ماذا عن مشكلة خلق القرآن التي نسمع عنها كثيرا وهل نحن بحاجة للتفكير في مثل هذه الأمور الآن كما فعل السلف ؟

الجواب:

الأخ الحبيب إن ما يحياه المسلمون الآن من مشكلات فردية أو جماعية في الداخل أو الخارج يمنعنا من أن نشغل أنفسنا بمثل هذه القضايا الفلسفية التي ربما يكون من المناسب أن أن تدرس في الجامعات والأقسام المتخصصة، أو تدرس كظاهرة تاريخية ليتعلم من الماضي للحاضر، أما أن نشغل أنفسنا بذكر أدلة كل فريق والترجيح أو الاختيار بينهما فهذا لا نحبذة، ولقد تناول هذه القضية بإيجاز شديد الأستاذ الدكتور محمد عمارة (مفكر إسلامي مصري )بطريقة تجمع ولا تفرق وتؤلف ولا

تبعثر ويمكنك مطالعة رأيه في هذه المسألة في الأسطر التالية :ـ
لقد قال بخلق القرآن عدد من الفرق الإسلامية .. مثل المعتزلة والشيعة والخوارج – ورفض القول بذلك عدد من هذه الفرق – مثل الأشعرية والسلفية، وعموم أهل السنة والجماعة.
وفى الفكر الإسلامى الحديث والمعاصر، هناك منهجان فى التعامل مع مثل هذه القضايا الخلافية القديمة:
أولهما: ذلك المنهج الذي يحيي خلافات واختلافات القدماء، ويقف عند طرقهم فى الاستدلال، وأدلتهم في الاحتجاج فتظل الانقسامات القديمة قائمة فى إطار الفكر الإسلامى المعاصر، وفى صفوف جماهير الأمة الإسلامية.

وثانيهما: ذلك المنهج الذي تبناه وطبقه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده [ 1266 – 1323هـ 1849 – 1905م] عندما كتب [ رسالة التوحيد ] – ذلك الكتاب النفيس والصغير – وهو منهج إعادة النظر فى مواقف القدماء من هذه المشكلات، والغوص إلى لب القضايا، والاحتكام إلى الكتاب والسنة، وتبيان أسباب اختلاف الفرق القديمة، والمحاذير والاعتبارات التي دفعت الفرقاء المختلفين إلى الاختلاف، والاجتهاد في تصفية علم العقائد الإسلامية من “شغب المتكلمين القدماء”، وذلك بالبحث عن المبادئ الجوهرية، والصيغ والرؤى التي يمكن أن يتفق عليها مختلف الأطراف، أو جمهورهم على أقل تقدير ..

وإذا نحن تبنينا هذا المنهاج، في النظر إلى قضية الخلاف حول خلق القرآن أو قدمه .. فسنجد أنها قضية وهمية، لا محل لها إلا عند الغلاة من طرفي الخلاف، وسنجد أن هناك إمكانات كبيرة لاتفاق أهل الوسطية والاعتدال، من كلا الفريقين، على القضايا الجوهرية فى أمر القرآن الكريم حيال هذا الموضوع .. ذلك أن أحدًا من الفرقاء الذين اختلفوا قديمًا حول هذه القضية لا يقول عن ” كلام الله “، إذا كان المراد به الصفة من صفات الله، لا يقول عنه إنه حادث أو مخلوق .. بل إن الذين قالوا بخلق القرآن قد بالغوا فى موضوع صفات الذات الإلهية – ومنها صفة ” الكلام ” – حتى جعلوها عين الذات، وليست زائدة على الذات، حتى لا تكون هناك شبهة لتعدد القدماء .. إذن فالجميع لا يختلفون على رفض وصف ” كلام الله” – إذا كان يعنى هذه الصفة من صفات الذات الإلهية – بالخلق والحدوث ..

وأيضًا ، فإن أحدًا من الفرقاء الذين اختلفوا قديمًا في هذه القضية، لا ينكر أن الأصوات الإنسانية – أصواتنا – التي نرتل بها القرآن، هي مخلوقة وحادثة، نكيفها نحن على النحو الذي نريد .. ومثلها فى الحدوث: الأحبار والأقلام التي كتب بها القرآن، والأوراق التي كتبت عليها السور والآيات ..

ذلك هو جوهر القضية، وهذه هي مساحة الاتفاق بين كل المعتدلين من مختلف الفرق الإسلامية، فالقرآن الكريم من حيث هو كلام الله المسند إليه سبحانه، ومن حيث هو الوحي الذي نزل به الروح الأمين على الصادق الأمين، صلى الله عليه وسلم، يمكن تحقيق الاتفاق – في عصرنا – على أنه غير حادث ولا مخلوق.

والقرآن من حيث هو الأصوات الإنسانية التي ترتله، والأحبار والأقلام التي يكتب بها، والأوراق التي يطبع عليها، هو مخلوق ومحدث للقارئين والكاتبين ..
ويزكي هذا المنهاج، في معالجة هذه القضية، أن الذين قالوا قديمًا بخلق القرآن، إنما صنعوا ذلك لفرط وإفراط الحرص على نفي تعدد القدماء، ولقد بدأ سيرهم على هذا الطريق بسبب مجادلتهم للنصارى حول التوحيد، فلقد حاول النصارى الرد على المعتزلة في هذا الجدال، عندما قالوا لهم:
– إن الله قديم، وكلامه قديم، وبما أن القرآن قد أطلق على عيسى، عليه السلام “كلمة الله”، فهو قديم كالله، فهو لذلك إله وابن إله ..

وحتى يرد المعتزلة على النصارى هذا الاستدلال – المبني على المنطق الشكلي – نفوا قدم كلام الله، وقالوا إنه مخلوق، وذلك حتى يسدوا الباب على أية شبهة لتعدد القدماء، وذهبوا على طريق ” سد الذرائع ” – إذا جاز التعبير – إلى الحد الذي جعلوا فيه كل صفات الله هى عين ذاته، مخافة فتح الباب لأية شبهة من الشبهات التي تؤدى إلى تعدد القدماء ..

وإذا كنا اليوم غير ملزمين بالملابسات التي أفرزت هذه الخلافات القديمة فى الفكر الإسلامي، ولا بأن نبعث ونعيش الأفعال وردود الأفعال التي عاشها الأقدمون من علماء الأمة، فإننا نستطيع أن ننقي عقيدة الأمة حول القرآن بتبني وإبراز المبادئ الأساسية المتفق عليها في هذا الموضوع .. فكلام الله كصفة من صفاته، وكوحي منه إلى رسوله، صلى الله عليه وسلم، ليس بالمحدث ولا المخلوق .. والقرآن، من حيث هو الأصوات الإنسانية التي ترتله، والأحبار التي تكتبه، والأوراق التي تحمل سوره وآياته، مُحدث ومخلوق .. أما عيسى، عليه السلام، فإنه ” كلمة الله” أي خلق الله، لأن الكلمات – في المصطلح القرآني – من معانيها المخلوقات: “ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله” – لقمان : 27 – أى مخلوقات الله .. فالمخلوق هو عيسى ابن مريم .. وليس كلام الله، كصفة من صفاته، ووحي منه إلى الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام ..

وهكذا نجد أنفسنا أمام منهاج فى التفكير، يبحث عن جوهر القضايا، ويقدم فيها، الرؤى التي تُجمع ولا تفرق، مكتشفًا بذلك مساحة الأرض المشتركة والكلمة السواء، التي يمكن لعلماء العصر أن يتفقوا عليها، مع تجنب ” شغب المتكلمين القدماء ” والحذر من غلو الغلاة.
ولقد سبق إلى هذا المنهاج – وإلى تطبيقاته – كثير من علماء أهل السنة والجماعة، مثل العز بن عبد السلام [ 577 – 660هـ 1181 – 1262م ] .. [ انظر ” طبقات الشافعية الكبرى ” جـ 5 ص 86 ، 94 ، 89 – طبعة القاهرة – الأولى ] .

وتأكيدًا لهذا المنهاج، وتطبيقًا له كتب الإمام محمد عبده فى [ رسالة التوحيد ] يقول – في هذه القضية – : ” فمصدر الكلام المسموع عنه سبحانه لابد أن يكون شأنًا من شئونه، قديماً بقدمه، أما الكلام المسموع نفسه، المعبر عن ذلك الوصف القديم فلا خلاف في حدوثه، ولا في أنه خلق من خلقه .. وأما ما نقل إلينا من ذلك الخلاف الذي فرق الأمة وأحدث فيها الأحداث، خصوصًا في أوائل القرن الثالث من الهجرة، وإباء بعض الأئمة أن ينطق بأن القرآن مخلوق، فقد كان منشؤه مجرد التحرج، والمبالغة في التأدب من بعضهم، وإلا فيجل مقام مثل الإمام أحمد بن حنبل عن أن يعتقد أن القرآن المقروء قديم، وهو يتلوه كل ليلة بلسانه ويكيفه بصوته.


الوسوم: