السؤال:

حدث بيني وبين زوجتي ما يدعو للطلاق ، وقد اعتزمت الزواج من أخرى ، فطلبت مني زوجتى أن أمسكها على أن تتنازل عن حقها في ليلتها ، فهل يجوز ذلك ؟ وهل لها أن ترجع عن هذا التنازل لاحقا ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
إذا خافت المرأة من زوجها أن يرغب عنها ويطلقها لعدم حاجته فيها لكبر، أو سوء خلق، فلا مانع من أن تسترضيه بالتنازل عن بعض حقوقها مثل النفقة، والمبيت عندها، وحقها في الإمتاع مقابل إمساكها .
فإذا أرادت أن ترجع عن ذلك، فلها هذا، ويمكنها المطالبة بحقوقها وقتما تشاء .
قال الجصاص من فقهاء الحنفية في تفسير قوله تعالى :-
(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( النساء:128
أباح الله للمرأة أن تتنازل عن حقها من القسم وأن تجعله لغيرها من نسائه، وعموم الآية يقتضي جواز اصطلاحهما على ترك المهر والنفقة والقسم وسائر ما يجب لها بحق الزوجية، إلا أنه إنما يجوز لها إسقاط ما وجب من النفقة للماضي، فأما المستقبل فلا تصح البراءة منه؛ وكذلك لو أبرأت من الوطء لم يصح إبراؤها وكان لها المطالبة بحقها منه؛ وإنما يجوز بطيب نفسها بترك المطالبة بالنفقة وبالكون عندها، فأما أن تسقط ذلك في المستقبل بالبراءة منه فلا .

وقال ابن قدامة من أعلام الحنابلة : –
وإذا خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضه عنها ، لرغبة عنها ، إما لمرض بها، أو كبر، أو دمامة ، فلا بأس أن تضع عنه بعض حقوقها تسترضيه بذلك ؛ لقول الله تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ). النساء 128 .
وروى البخاري ، عن عائشة ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا والصلح خير ) قالت : هي المرأة تكون عند الرجل ، لا يستكثر منها ، فيريد طلاقها ، ويتزوج عليها ، فتقول له أمسكني ، ولا تطلقني ، ثم تزوج غيري ، فأنت في حل من النفقة علي ، والقسمة لي .
وعن عائشة ، ( أن سودة بنت زمعة ، حين أسنت ، وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول الله ، يومي لعائشة . فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها )قالت : وفي ذلك أنزل الله جل ثناؤه وفي أشباهها أراه قال : (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) رواه أبو داود .
ومتى صالحته على ترك شيء من قسمها أو نفقتها ، أو على ذلك كله ، جاز . فإن رجعت ، فلها ذلك . قال أحمد في الرجل يغيب عن امرأته ، فيقول لها : إن رضيت على هذا ، وإلا فأنت أعلم . فتقول : قد رضيت . فهو جائز ، فإن شاءت رجعت .

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية : –
اتفق الفقهاء على أنه يجوز لإحدى زوجات الرجل أن تتنازل عن قسمها ، أو تهب حقها من القسم لزوجها أو لبعض ضرائرها أو لهن جميعا ، وذلك برضا الزوج ؛ لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط إلا برضاه لأنها لا تملك إسقاط حقه في الاستمتاع بها ، فإذا رضيت هي والزوج جاز ؛ لأن الحق في ذلك لهما لا يخرج عنهما .
وللزوجة الواهبة الرجوع متى شاءت فإذا رجعت انصرف الرجوع من حينه إلى المستقبل ؛ لأنها هبة لم تقبض فلها الرجوع فيها ، وليس لها الرجوع فيما مضى لأنه بمنزلة المقبوض ، ولو رجعت في بعض الليل كان على الزوج أن ينتقل إليها ، فإن لم يعلم حتى أتم الليلة لم يقض لها شيئا لأن التفريط منها . ونص بعض الحنفية على ما يوافق الشافعية والحنابلة في المسائل السابقة .
والله أعلم .‏