السؤال:

تعمد بعض جهات التحقيق بتعذيب المشتبه فيهم لكي تنتزع منهم الاعترافات , وأحيانا يعترف البعض رغبة في الهرب من التعذيب ، ونريد أن نعرف ما حكم الشرع في اعتراف المتهم في أي قضية اتهم بارتكابها نتيجة الضرب والتعذيب ، وهل إقراره يكون صحيحا؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
من المعلوم أن الاعتراف سيد الأدلة، وأن الإقرار يغني عن القرائن والأدلة،ومن شروط الإقرار المعتبر أن يكون طوعاً لا كرهاً، ومسألة نزع الاعتراف بالقوة قد اختلف الفقهاء فيها فذهب ابن تيميه إلى جواز حبس المتهم المعروف بفجوره أو ضربه حتى يقر، وهذا رأي بعض فقهاء الحنفية والمالكية.
وباقي الفقهاء ذهبوا إلى عدم اعتبار الإقرار المأخوذ بالضرب من المشبوه فيهم لفقد الإقرار شرط أن يكون طواعية واختيارا، وهذا الرأي هو الراجح لقوة الأدلة التي اعتمد عليها .

يقول الأستاذ الدكتور محمد رأفت عثمان ـ عميد كلية الشريعة والقانون سابقا ـ جامعة الأزهر:

قامت الأدلة في الكتاب والسنة وإجماع العلماء على اعتبار الإقرار وسيلة من وسائل إثبات الحقوق وغيرها.
فمن القرآن الكريم نجد قول الله تبارك وتعالى :”وليملل الذي عليه الحق” فقد أمره الله عز وجل بالإملال فلو لم يقبل إقراره لما كان للإملال معنى .
ومن السنة كخبر الصحيحين أن رجلا من الأعراب أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله ،وأئذن لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل ، قال: إن أبني كان عسيفا أجيرا عند هذا فزنى بامرأته وإني أخبرت أن على أبني الرجم فافتديت منه بمائة شاه ووليد، فسألت أهل العلم فأخبرني أن ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ـ الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فأرجمها فغدا عليها فاعترفت؛ فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت.
وقد أجمع العلماء على أن الإقرار وسيلة من وسائل الإثبات، ولابد من توافر شروط في الإقرار حتى يكون صحيحا شرعا .
وقد اشترط العلماء في المقر ثلاثة شروط، وهي: البلوغ والعقل والاختيار .

وكان في الفقه الإسلامي اتجاهان في مسألة ضرب المتهم ليقر:
الاتجاه الأول:
ما يراه ابن تيميه ويوافقه فيه تلميذه ابن القيم الجوزية فيبينان أن الدعاوى قسمان؛ لأنها أما أن تكون دعوى تهمة أو دعوى غير تهمة ، ودعوى التهمة هي دعوة للجناية والأفعال المحرمة التي توجب عقوبة فاعلها مثل دعوى القتل وقطع الطريق والسرقة والقذف ـ أي اتهام الغير بالزنا على سبيل التعيير من غير بينة ـ والعدوان على الناس بالضرب ، وبغير ذلك من العدوان الذي يتعذر إقامة البينة عليه في غالب الأوقات في العادة.
ودعوى غير التهمة هي أن يدعى دعوى عقد كعقد البيع أو الرهن أو الضمان أو يدع دعوى لا يكون فيها فعل محرم مثل دين ثابت في الذمة كثمن بيع أو قرض أو مهر أو دية قتل خطأ أو نحو ذلك.
فدعوى العقد ودعوى فعل غير محرم إن كان المتهم بريئا ليس من أهل تلك التهمة فباتفاق العلماء لا يجوز عقوبته لا بضرب ولا بحبس ولا بغيرها .
فإذا وجد في يد رجل مشهود له بالعدالة مال مسروق ، وقال هذا الرجل العدل: ابتعته من السوق، ولا أدرى من باعه فلا عقوبة على هذا العدل باتفاق العلماء ، ثم قال المالكية وغيرهم: يحلف المستحق أنه ملكه فأخرج عن ملكه ويأخذ ، وقرر هؤلاء أنه لا تطلب اليمين من هذا العدل.

المتهم المجهول الحال:
وأما إذا كان المتهم مجهولا لا يعرف ببر أو فجور ؛ فعامة علماء الإسلام يرون جواز التحفظ عليه بحبسه حتى يكشف حاله، ويتبين للحكام أمره، ويستندون في هذا الحكم إلى ما رواه أبو داود في سننه والترمذي والنسائي وغيرهم عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده “أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة” قال الترمذي: حسن ، وزاد هو والنسائي:” ثم خلى عنه”.

المتهم المعروف بالفجور:
وأما إذا كان المتهم معروفا بالفجور مثل المتهم بالسرقة إذا كان معروفا بها قبل ذلك ، والمتهم بقطع الطريق إذا كان معروفا به، والمتهم بالقتل كذلك فيرى ابن تيميه وابن القيم أن هذا يجوز حبسه ؛ لأنه إذا جاز حبس مجهول الحال فإن حبس هذا يكون أولى .
قال ابن تييمة: وما علمت أحدا من أئمة المسلمين يقول: إن المدعي عليه في جميع هذه الدعاوى لا يحبس ويرسل بلا حبس ولا غيره فليس هذا ـ على إطلاقه ـ مذهبا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة، ومن زعم هذا ـ على إطلاقه وعمومه ـ هو الشرع فقد غلط غلطا فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله صلى الله عليه وسمل ولإجماع الأئمة.
ثم بيَّن ابن القيم رأيه الموافق لرأى أستاذه بن تيميه، وهو أن هذا النوع من المتهمين يسوغ ضربه مستدلا بما ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الزبير بن العوام بتعذيب المتهم الذي غيب ماله حتى أقرَّ به.

هذا مما يتصل بالاتجاه الذي يرى جواز حبس المتهم المعروف بفجوره أو ضربه حتى يقر واتضح أن هذا ما يراه ابن تيميه وابن القيم وبعض فقهاء الحنفية والمالكية.

الاتجاه الثاني :

وأما الاتجاه الثاني في الفقه الإسلامي فهو عدم صحة الإقرار بعد الضرب لأنه إكراه، ومن شروط صحة الإقرار عدم الإكراه إلى هذا الرأي ذهب الأذرعي من فقهاء الشافعية ، قال: الولاة في هذا الزمان يأتيهم من يتهم بسرقة أو قتل أو نحوهما فيضربونه ليقر بالحق، ويراد بذلك الإقرار بما ادعاه خصمه .
والصواب: أن هذا إكراه سواء أقر في حاله ضربه أم بعده وعلم انه إن لم يقر بذلك لضرب ثانيا.

ويبدو من كلام النووي ـ أحد كبار فقهاء الشافعية المشتهرين ـ أنه غير مقتنع بصحة الإقرار بعد الضرب ؛ فنقل عنه صاحب مغني المحتاج قوله وقبوله إقراره بعد الضرب فيه نظر أن غلب على ظنه إعادة الضرب إن لم يقر ويصرح بعض فقهاء الشافعية أيضا بأن الضرب للمتهم حرام سواء ضرب ليقر أو ضرب ليصدق.
ويستند أصحاب هذا الاتجاه إلى نصوص القرآن الكريم التي بينت عدم صحة إقرار المكره بما أكره عليه قال تبارك وتعالى:” إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان” فقد أفاد النص الكريم إن الإكراه مسقط لحكم الفكر فبالأولى ما عداه.

الترجيح بين الاتجاهين:
أرى الأخذ بالرأي القائل بحرمة الضرب للمتهم، وما على جهات الأمن والتحقيق والقضاء إلا بذل الوسع في الوصول إلى الحقيقة بالوسائل المختلفة البعيدة عن تعذيب المتهم أو ضربه خاصة أن العلم يعطى كل فترة ما يساعد على التعرف على مرتكبي الجرائم وتقديمهم للمحاكمة والذكاء المفترض في المحققين والقضاء أحد العوامل المساعدة على تحقيق هذا.

وهذا الرأي يترجح عندي لما يأتي:
أولا : صراحة النص القرآني في بيان عدم صحة إقرار المكره بما أكره عليه.
ثانيا: التعارض بين ما استدل به القائلون بعدم جواز ضرب المتهم وعدم صحة إقراره وما استدل به القائلون بجواز صحته .
فالقائلون بعدم الجواز وعدم الصحة مستدلون بنص قرآني وهو قطعي الثبوت وقطعي الدلالة أيضا ، والقائلون بجواز ذلك وصحته مستدلون بحديث أحادى، والحديث الأحادي ظني الثبوت، وإذا تعارض قطعي الثبوت مع ظني الثبوت فإنه يجب تقديم ما هو قطعي الثبوت.
ثالثا: يمكن في رأيي فهم الحديث الذي استند إليه القائلون بجواز ضرب المتهم المعروف بالفجور حتى يقر على أنه يحكى واقعة محتملة، وواقعة الحال الفعلية المحتملة لا تفيد عموم الحكم.
والله أعلم .