السؤال:

إذا ارتكب شخص ما الذنوب والفاحشة فهل عليه أن يخبر بما فعل؟ وما الحكم إذا كان القصد من الإخبار إقامة الحد عليه ؟ وهل إذا سأله أحد يجوز له أن يكذب ؟ أم أن عليه أن يخبر بالحقيقة ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد رغب الإسلام في ستر المسلم نفسه وستر غيره من المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة) متفق عليه، وقال للذي شهد عنده على رجل بالزنا: ( لو سترته بثوبك لكان خيرا لك).

فالستر مطلوب حتى لو كان في الذنب حد، فعلى المذنب أن يتوب ولا يفضح نفسه، ولا ينبغي لمسلم أن يسأل الآخرين عما ارتكبوا من الذنوب التي سترها الله تعالى، وإذا سئل المذنب فليس عليه أن يخبر، كما لا داعي للكذب ، بل عليه أن يعرض بما لا يفهم منه أنه أذنب ، وإن اضطر إلى الكذب لستر نفسه فلا حرج عليه، لأن هذا الكذب للضرورة والغرض منه الإصلاح ولا يترتب عليه إضرار بأحد ، والسؤال عن ذلك لا يجوز، لقول الله تعالى: ( لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).

روى البخاري في صحيحه في باب : “ستر المؤمن على نفسه”
‏عن ‏سالم بن عبد الله ‏ ‏قال سمعت ‏ ‏أبا هريرة ‏ ‏يقول ‏: ‏سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول: (‏ ‏كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه).

قال الإمام ابن حجر في شرح هذا الحديث :
معافى: من العافية، وهو إما بمعنى عفا الله عنه وإما سلمه الله وسلم منه .
وقوله : إلا المجاهرين ـ وفي رواية: إلا المجاهرون ـ: قال بعض الشراح أنه مستثنى من قوله معافى وهو في معنى النفي , أي كل أمتي لا ذنب عليهم إلا المجاهرون , .. والمجاهر الذي أظهر معصيته وكشف ما ستر الله عليه فيحدث بها , وقد ذكر النووي أن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم يجاهر به .

وورد في الأمر بالستر في الأمر حديث ليس على شرط البخاري وهو حديث ابن عمر رفعه ” اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها ، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله ” الحديث أخرجه الحاكم , وهو في ” الموطأ ” من مرسل زيد بن أسلم ، قال ابن بطال : في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم ، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف، لأن المعاصي تذل أهلها، ومن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد ومن التعزير إن لم يوجب حدا، وإذا تمحض ـ خلص ـ حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك.( انتهى).

فمن أجل ذلك نهى الإسلام المسلم أن يفضح نفسه وقد ستره الله تعالى ، فقد روى مسلم في صحيحه نفس الحديث السابق في ” باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه ” بلفظ : ( كل أمتي معافاة إلا المجاهرين وإن من الإجهار ‏‏أن يعمل العبد بالليل عملا ثم يصبح قد ستره ربه فيقول يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه ).

وما على العاصي الذي ستره الله تعالى إلا أن يحفظ نعمة الستر ويتوب إلى الله تعالى ، وسيقبل الله تعالى توبته ما دام نادما وصادقا في التوبة ، فالله تعالى يقول: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ، وقال:( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون)
وقال سبحانه: ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيما).

والكفارة في هذه الحالة هي التوبة النصوح الصادقة والعمل الصالح س، ويتوب الله على من تاب ، والله يحب التوابين ويفرح بتوبتهم فرحا شديدا ، أشد مِن فرح مَن فقد الأمل في الحياة برجوع الحياة إليه ، ما دامت التوبة صادقة مع الله تعالى .

وعلى المسلم أن يلزم نفسه بصحبة الصالحين الذين يذكرونه بالله ويعينّوه على طاعته ويبعدونه عن معصيته ، وعليه بالبعد عن أسباب المعصية والفتن ، والتعايش بعيدا عنها في جو نظيف من شياطين الجن الذين يحضرون الخلوة بين الرجل والمرأة، ومن المغويات ، ويستحب له كثرة العبادة من صلاة وصيام التطوع ، وأخص الصيام بالذكر كما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم الشباب الذين لا يقدرون على الزواج ، وكثرة الذكر ، وتجنب الخلوة بالجنس الآخر، وغض البصر ، وحفظ السمع ، وحفظ واستماع القرآن ، وقراءته، ومطالعة كتب السيرة كالرحيق المختوم ، وكتب الحديث مثل رياض الصالحين .

وليس على المسلم أن يخبر أحدا بما فعل من الذنوب والكبائر، بل لا يجوز له هذا ، والسؤال عن هذا لغو، والمسلم مأمور بالإعراض عن اللغو، وإذا سمعه من الغير أعرض عنه.
وقد نهي الله تعالى عن مثل هذا السؤال فقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).

وكون الذنب فيه حد لا يوجب الجهر به ، ، قال ابن حجر في فتح الباري ، بعد ذكر حديث ماعز والغامدية :
وفي هذا الحديث من الفوائد منقبة عظيمة لماعز بن مالك.

ويؤخذ من قضيته أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز، وأن من اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة ” لو سترته بثوبك لكان خيرا لك ” وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال: أحب لمن أصاب ذنبا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب , واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر.
نسأل الله تعالى أن يتم علينا نعمته وعافيته وستره في الدنيا والآخرة.

والله أعلم.