السؤال:

نظرا للتقدم العلمي وسعي الإنسان لاكتشاف العلاج من كل الأمراض هل يجوز للإنسان أن يستخدم غيره لإجراء التجارب العلمية عليه حتى يعود النفع على البشرية جميعا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
يحث الشرع الحنيف الإنسان على التداوي؛ لأن حفظ البدن من الأشياء التي أوجبت الشريعة حفظها ، وأجراء تجارب على الإنسان تجوز بضوابط معينة .

يقول الدكتور محمد رأفت عثمان – عميد كلية الشريعة بالأزهر سابقاًوعضو مجمع البحوث الإسلامية :
إن أحكام شريعة الإسلام تهدف إلى تحقيق مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة واقتضى تحقيق المصلحة للإنسان أن تقصد الشريعة إلى المحافظة على أمور ثلاثة يسميها العلماء: الضروريات، والحاجيات والتحسينات.

فأما الضروريات فهي- كما عرفها الإمام الشاطبي-: “الأمور التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين”
وبين الشاطبي أن مجموع هذه الضروريات خمسة هي: حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال.

وأما الحاجيات فهي الأمور التي لا تختل الحياة بفقدها وإنما يترتب على فقدها أن يقع الناس في الضيق والمشقة، ومثالها الرخص التي جعلها الشارع مخففة للمشقة والضيق كإباحة الفطر في رمضان للمريض والمسافر.

وأما التحسينات أي الكماليات فهي – كما عرفها الشاطبي أيضا – الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات، التي تأنفها العقول الراجحات وهي في النهاية قسم في مكارم الأخلاق كتحريم سب الناس و الخداع، والنصب وخروج المرأة في الشوارع بالزينة المثيرة لغريزة الرجال.فحفظ النفس إذن من الأمور التي قصدت شريعة الإسلام تحقيقها وعدته من الضروريات التي لا بد منها.

طلب الدواء :
ومن الأحكام التي قصدت حفظ النفس حكم طلب الدواء وعدم ترك الإنسان نفسه أو غيره فريسة للمرض دون اتخاذ إجراء يؤدي إلى الشفاء يدل على هذا ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : يا رسول الله أنتداوى؟ فقال صلى الله عليه وسلم “تداووا فإن الله لم يضع داء- أي لم يخلق داء – إلا وضع له دواء.

الحكم الشرعي :
فالشرع إذن يحثنا على طلب الدواء لعلاج الأمراض ومطلوب منا أن نعمل على اكتشاف الدواء لكل مرض يحدث ومن الحقائق التي لا تقبل الشك أ، الدواء لا يمكن التوصل إليه إلا عن طريق التجربة إما أن يجربها الشخص على نفسه أو على غيره فيكون إجراء التجارب العلمية على الإنسان من الأمور المباحة ما دام القصد منها تحقيق مصلحة الإنسان في حفظ حياته، وعيشته سليما معافى.

وإذا كان إجراء التجارب العلمية على الإنسان المقصود بها مصلحة مباحة فلابد أن يكون ذلك في إطار ضوابط أخلاقية- أي شرعية؛ لأن الشريعة أخلاق – نظر إلى أن إجراء التجارب العلمية على الإنسان فعل من أفعال الإنسان، وكل فعل إنسان حتى يكون مشروعا لابد أن يكون في نطاق ما تسمح به أحكام الشرع التفصيلية وقواعده العامة.

الضوابط الشرعية للتجارب:

وقد أثيرت مسألة إجراء التجارب العلمية على الإنسان في مؤتمرات دولية وندوات وبحوث علمية وفقهية وطنية انتهت إلى عدد من الضوابط الشرعية التي يجب أن تتواجد لكي تكون التجربة على الإنسان جائزة شرعا وهي:
1- يجب أن تؤدي أهداف البحث إلى تقدم ملموس في المعرفة الطبية.
2- أن نتائج البحث لا يمكن الحصول عليها من حيوانات التجارب
3- أن الدراسة صممت بحيث يحصل الباحث على النتائج المطلوبة بعد إجراء البحث على أقل عدد ممكن من البشر وأن الذين يجرى عليهم البحث سوف يتعرضون لأقل قدر ممكن من الخطر والمضايقة
4- أن يكون الباحث على قدر مناسب من المعرفة بموضوع البحث والخبرة في طرق البحث والتحليل العلمي وأنه سوف يوجه معرفته وخبرته لحماية من سيجري عليهم البحث من أي أضرار قد تنشأ.
5- يتم إعلان من سيجري عليه البحث بأهداف البحث وعواقب اشتراكهم فيه وخصوصا أي مخاطر أو مضايقات قد يتعرضون لها.
6- أنه ستؤخذ كل الاحتياطات للتأكد من سرية المعلومات التي سيحصل عليها الباحث من خلال بحثه وأن هذه المعلومات لن تسخر في أي وقت من الأوقات ضد مصلحة الأشخاص موضوع البحث.
7- أن بروتوكول البحث قد عرض على لجنة أخلاقيات البحوث بالمعهد أو الجامعة أو الهيئة المعنية وأن اللجنة قد أقرت البحث أخلاقيا وعلميا.
أهـ
ومن هذا نخلص إلى جواز إجراء هذه التجارب الطبية على الإنسان بشرط التزام الضوابط السابقة .

والله أعلم .