السؤال:

كثيراً ما نقرأ على الكتب عبارة تقول: [ حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ] فهل يجوز للمؤلف أو للناشر أن يحتفظ بحقوق الطبع ولا يسمح لغيره بنشر الكتاب وهل يعتبر المنع من باب كتمان العلم ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
فنتاج العقل البشري منفعة معتبرة شرعا، لا يجوز الاعتداء عليها بحال من الأحوال، ومن ثم فلا يجوز نشر كتاب أو توزيعه ما لم يأذن فيه مؤلفه؛ لأن هذا أكل لأموال الناس بالباطل، ولا يعقل أن يربح الناس أموالا طائلة وصاحب الفكر والإبداع يعيش عالة على الناس لأنه ساعتها لن يجد ما يقتات منه.

وإليك فتوى فضيلة الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة -أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:

إن مسألة حقوق الطبع والنشر، وحقوق التأليف، والترجمة، ونحو ذلك من المنافع المعتبرة شرعاً على الصحيح من أقوال أهل العلم المعاصرين حيث إن هذه الأمور لم تكن معروفة عند فقهائنا المتقدمين وإنما عرفت في العصر الحديث وصارت هذه الحقوق محمية بموجب القانون في الدول الغربية . وقد بحث الفقهاء المعاصرون هذه المسألة بتوسع في الآونة الأخيرة وصدرت فيها فتاوى وبحوث علمية موثقة، وقد ذهب أكثر العلماء المعاصرين إلى اعتبار هذه الحقوق مصونة شرعاً، ويجوز شرعاً لأصحابها التصرف فيها بالبيع والشراء، ولا يجوز الاعتداء على هذه الحقوق، فيجوز للمؤلف أن يحتفظ بحق الطبع لنفسه، كما يجوز له أن يبيع حقه هذا لصاحب دار نشر، ولا يجوز لأحد أن يقوم بطبع كتاب ما لم يأذن مؤلفه، أو ناشره إذا شرطا حقوق الطبع لنفسيهما، وأما إذا أباحا ذلك للناس، فلا بأس بطبعه، ونشره كما يفعل بعض أهل العلم عندما يكتبون على كتبهم يجوز نشره لمن أراد توزيعه مجاناً ويدل على جواز ذلك ما يلي :

أولا: إن المنافع تعتبر أموالاً عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وهي من الأمور المعنوية، ولا ريب أن الإنتاج الذهني يمثل منفعة من منافع الإنسان، فيعد مالاً تجوز المعاوضة عنه شرعاً. والمراد بالمنافع : هي ما يستفاد من الأعيان : كسكنى الدار وركوب السيارة ويدل على كونها مالاً أن طبع الإنسان يميل إليها كالأعيان فيسعى إلى اقتنائها ولأن العرف العام في الأسواق يعتبرها أموالاً ولأن الشارع اعتبرها أموالاً بدليل قوله تعالى على لسان شعيب عليه السلام لموسى عليه السلام :( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) فالشارع أجاز أن يكون عمل الإنسان ” المنفعة” مهراً والأصل في المهر أن يكون مالاً بدليل قوله تعالى : ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) فتكون المنفعة مالاً .

ثانيا: أن العرف العام جرى على اعتبار حق المؤلف في تأليفه وإبداعه ، فأقر التعويض عنه والجائزة عليه ولو كان هذا الحق لا يصلح محلاً للتبادل والكسب الحلال لُعدت الجائزة والتعويض عنه كسباً محرماً ، ومن المعلوم أن العرف العام يعد مصدراً من مصادر التشريع إذا لم يتصادم مع نص شرعي، أو أصل عام في الشريعة الإسلامية، كما أن العرف له دخل كبير في مالية الأشياء، كما قال السيوطي : لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه وإن قلَّت وما لا يطرحه الناس . ومفاد هذا أن العرف هو أساس مالية الأشياء لقوله : لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة ، أي بين الناس عرفاً بحيث أضحى محلاً للمعاوضة ، يباع بها ، ومن المقرر أن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي .

ثالثا: إن الشريعة الإسلامية حرمت انتحال الرجل قولاً لغيره أو إسناده إلى غير من صدر منه وقضت بضرورة نسبة القول إلى قائله والفكرة إلى صاحبها لينال هو دون غيره أجر ما قد تنطوي عليه من الخير أو يتحمل وزر ما قد تجره من شر فقد روي عن الإمام أحمد : أنه امتنع عن الإقدام على الاستفادة بالنقل أو الكتابة عن مقال أو مؤلف عرف صاحبه إلا بعد الاستئذان منه فقد روى الغزالي أن الإمام أحمد سئل عمن سقطت منه ورقة كتب فيها أحاديث أو نحوها أيجوز لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها ؟ قال : لا ، بل يستأذن ثم يكتب .

رابعا: إذا كان المؤلف مسؤولاً عما يكتبه ويتلفظ به ويحاسب عليه بدليل قوله تعالى :( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) وقوله صلى الله عليه وسلم :( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفع الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم ) فيكون له الحق فيما أبدعه من خير عملاً بقاعدة : الغنم بالغرم ، وقاعدة : الخراج بالضمان .

خامسا: الإبداع الذهني أصل للوسائل المادية من سيارة وطائرة ومذياع وغير ذلك مما له صفة المالية فلا بد من اعتبار الأصل له صفة المالية .
سادسا: التخريج على قاعدة : المصالح المراسلة ، في ميدان الحقوق الخاصة ويتحقق ذلك من جهتين كما قال الدريني:
أ. من ناحية كونه ملكاً منصباً على مال: أي كونه حقاً عينياً مالياً إذ المصلحة فيه خاصة عائدة إلى المؤلف أولاً وإلى الناشر والموزع ومن إليهما وهذا ظاهر في كونه حقاً خاصاً مالياً.

ب. أن فيه مصلحة عامة مؤكدة راجعة إلى المجتمع الإنساني كله وهي الانتفاع بما فيه من قيم فكرية ذات أثر بالغ في شتى شؤون الحياة وهو بهذه المثابة حق من حقوق الله تعالى لشمول نفعه وعظيم خطره، والمصلحة المرسلة بنوعيها مرعية في الدين تبنى عليها الأحكام لأنها من مباني العدل والحق وعلى هذا فالإنتاج الفكري ملك لأن الحكم الشرعي المقدر وجوده فيه نهضت به المصلحة المرسلة والعرف.

إذا تقرر هذا فإنه من المعلوم أن الكتاب بعد أن كان عبارة عن خط على ورق أو على رق أصبح هناك طباعة والطباعة معناها أن طابع الكتاب يربح في الكتاب ويأتي الناشر فيربح من الكتاب ثم يأتي الذي يبيع الكتاب صاحب المكتبة ويربح في الكتاب 30% مثلاً فهذه هي المراحل التي يمر بها الكتاب والكتاب لا يمكن أن يوجد إلا بها وقيمة الكتاب التي من أجلها دفع المشتري ليست في الورق ولا في أي شيء إلا فيما يحويه فعندما نجعل الأصل لاغياً لا قيمة له وأن البقية لها قيمتها أظن أن هذا غير صحيح وأنه قلب للأوضاع] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 ج 3 ص 2538 .

وقال الشيخ العلامة القرضاوي :[ … قياس هذا الأمر على ما اختلف فيه من قضية الأذان والإمامة والخطابة والوعظ والتدريس فهذه قد اختلف فيها من قبل وكثير ممن منعوها قديماً أجازوها في العصور المتأخرة منهم الحنفية فأئمة المذهب ومشايخه السابقون منعوها ثم جاء المتأخرون فأجازوها حفظاً لمصلحة المسلمين وهذه شبيهة بها هي أشبه شيء بها تماماً وكما قال الأخوة إننا نحن الآن نعمل في الجامعات ونعلم أبناء المسلين العلوم الشرعية ونتقاضى على ذلك رواتب وأجوراً فهذه من هذه وأذكر ها هنا كلمة للإمام أبي محمد بن أبي زيد القيرواني صاحب الرسالة حينما اتخذ في بيته كلباً للحراسة فقيل له : أتتخذ كلباً وقد كرهه مالك ؟ فقال لو كان مالك في زماننا لاتخذ أسداً ضارياً .

فنحن في زمن غير زمن مالك وغير زمن ابن حنبل والذين قالوا كيف تأخذون حقوق التأليف وذهبوا وأخذوا كتبنا وربحوا فيها واستفادوا منها لو كانوا يوزعونها مجاناً فهذا معقول ! وأنا فعلاً إذا كان هناك جمعية خيرية أو إنسان يريد أن يتبرع بطبع كتاب ونشره فأرى أنه لا يجوز لإنسان أن يأخذ حقاً عليه في هذه الحالة أما وقد دخل دائرة الإجارة فهنا للمؤلف حق، خصوصاً أن كثيراً من الناس يعيشون على مثل هذا الأمر].

وأما الادعاء بأن الاحتفاظ بحقوق الطبع والتأليف يعد كتماناً للعلم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في الحديث ( من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ) رواه ابن حبان والحاكم وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب ص 52 .

فالجواب أن هذه الدعوى غير مسلمة فالمؤلف لا يكتم العلم بل هو ينشره وخاصة أن الحديث منصوص العلة وهو ” الكتمان ” لا ” المعارضة ” بقوله عليه الصلاة والسلام :( من كتم علماً … ) وما نحن فيه ليس فيه كتمان بل فيه نشر وتوزيع وإذا انتفت العلة في المعاوضة انتفى الحكم وهو التحريم . وإذا لوحظ أن هذا العالم أو الباحث قد وقف حياته كلها على هذا الجهد فكيف تستقيم حياته إذا حرم من حقه فيه ؟ أيـعــيــش على الــصــدقات وما تجود به أنفس المحسنين ؟ وحقه في عمله ثابت له شرعاً ؟ على أنا رأينا الفقهاء الأعلام يقومون جهود الحيوانات لأصحابها ومنافع الهوام والحشرات والديدان وأصوات الببغاوات وتغريد البلابل ومنفعة الكلاب في الحراسة أفلا يكون للجهد العقلي الإنساني المبتكر – في منطق هذا الفقه – مكان في هذا التقويم الشرعي؟!

الشرع الإسلامي عدل كله ومعقول المعاني والمقاصد فثبتت المالية للابتكار الذهني بالأقيسة الأولوية، ألم يجز الرسول صلى الله عليه وسلم جعل تعليم بعض آيات القرآن الكريم مهراً ومعلوم أن المهر لا يكون إلا مالاً فثبت أن التعليم ” يقوّم بالمال شرعاً بدليل جعله مهراً وعوضاً وتعليم القرآن الكريم طاعة بلا ريب وهو جهد محدود لا يعدو أن يكون مجرد ترديد لآيات من القرآن الكريم ممن يحفظها ويتلوها تعليماً أو تحفيظاً لغيره فلا يرقى مثل هذا الجهد إلى مستوى الجهد العقلي للعلماء بالبداهة بما يتسم به من الابتكار الذي هو مظهر الثقافة الواسعة والتعمق الفكري بل لا سبيل إلى المقارنة بينهما فإذا كان التعليم جهداً مقوماً بـالمال فالإنتاج المبتكر مـن باب أولى.

وخلاصة الأمر أن حقوق التأليف مصونة شرعاً ولأصحابها حق التصرف فيها ولا يجوز الاعتداء عليها كما ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي .

والله أعلم