السؤال:

ما هي الحالات التي يجوز فيها نبش القبر أم أن الأمر حرام على إطلاقه؟ نرجو توضيح ذلك حيث يتساهل الناس كثيرا في هذا الأمر وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاةوالسلام على رسول الله، وبعد..
حرمة الميت في قبره كحرمتهحال حياته ومن ثم فنبش القبور الأصل فيه الحرمة، ولكن إذا دعت لنبش القبر مصلحةمعتبرة شرعا أو عذر شرعي فيجوز نبشه ومن ذلك مرور زمن طويل على المقبرة بحيث لايبقى فيها للميت أثر، أو تعلق بالمقبرة حق لآدمي، أو كان الميت يتأذى بوجوده في هذاالقبر، أو تكون هناك مصلحة عامة للمسلمين لا تتحقق إلا بحفر المقبرة أو جزء منها.

وإليك فتوى فضيلة الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة -أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:
إنحرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً فلا يجوز الاعتداء عليه وهو ميت في قبره كما لا يجوزالاعتداء عليه حال حياته لما ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :( إنكسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً ) رواه أبو داود وابن ماجة، وأحمد وغيرهم . وهوحديث صحيح كما قال الشيخ الألباني، وجاء في رواية أخرى عند ابن ماجة :( كسر عظمالميت ككسر عظم الحيّ في الإثم ) رواه ابن ماجة.
وقد قررالفقهاء أنه لا يجوز نبش قبر الميت إلا لعذر شرعي وغرض صحيح، فالأصل هو عدم جوازنبش القبور إلا في حالاتٍ خاصة وقد ذكر كثير من الفقهاء تفصيلاً للحالات التي يجوزفيها نبش القبور فمنها : إذا دفن الميت في أرض مغصوبة كمن دفن في أرضٍ بغير إذنمالكها، وكذلك إذا كان الكفن مغصوباً، أو وقع في القبر مال لغير الميت.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي – منفقهاء الحنابلة- في كتابه المغني: (وإن وقع في القبر ما له قيمة نبش وأخرج). قالأحمد :[ إذا نسي الحفّار مسحاته في القبر جاز أن ينبش عنها . وقال – أي أحمد – فيالشيء يسقط في القبر مثل الفأس والدراهم ينبش قال : إذا كان له قيمة يعني ينبش …).
وقال الشوكاني رداً على صاحب حدائق الأزهار في قوله: ( ولا ينبش لغصب قبر ولا كفن).

أقول :[ قد علم بالضرورة الدينية عصمة مال المسلم وأنه لايخرج عن ملكه إلا بوجه مسوغ فمن زعم أن الدفن من مسوغات ذلك فعليه الدليل ولا دليل. وقد تقدم أنه يشق بطنه لاستخرج ماله في نفسه لكون ذلك إضاعة مال فكيف لا ينبش للمال الذي اغتصبه وهو الكفن أو الأرض التي دفن فيها مع كونه إتلاف لمال محترمومعصوم بعصمة الإسلام . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( من اغتصب شبراً من الأرض طوقه الله من سبع أرضين ) فكيف بمن اغتصب قبراً هو عدة أشبار.
وهكذا ينبش إذا ترك بغير غسل لأن الغسل واجب شرعي لا يسقطه الدفن إلا بدليل ولا دليل هذا إذا كان يظن أن جسمه لم يتفسخ وأن غسله ممكن وهكذا التكفين لا يسقطه الدفن إلا بدليل ولا دليل لأنه واجب شرعي لا يسقط إلا بمسقط شرعي.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لا ينبش الميت من قبره إلا لحاجة مثل أن يكون المدفن الأول فيه ما يؤذي الميت فينقل إلى غيره كما نقل بعض الصحابة في مثل ذلك)

وقد أجاز بعض الفقهاء نبش القبر من أجل توسيع المسجد الجامع أو دفن ميت آخر معه عند الضيق فيجوز نبشه ودفنه في قبر لوحده . قال الإمام البخاري في صحيحه :[ باب هل يخرج من القبر واللحد ] ثم ذكر بسنده حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما :( لما حضر أحدٌ دعاني أبي من الليل فقال : ما أراني إلا مقتولاً في أو لمن يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عليَّ ديناً فاقض واستوص بإخوتك خيراً فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في القبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هينة في أذنه .

وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن الإمام البخاري يرى جواز إخراج الميت من قبره لغرض صحيح كما إذا كان في نبشه مصلحة تتعلق بالميت من زيادة البركة له أو إخراجه لمصلحة تتعلق بالحيِّ لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه وقد بين جابر ذلك بقوله :( فلم تطب نفسي ) . انظر فتحالباري 3/457-458.
ومما يستأنس به لجواز نبش القبور لغرض صحيح ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن شريح بن عبيد الحضرمي أن رجالاً قبروا صاحباً لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفناً ثم لقوا معاذ بن جبل فأخبروه فأمرهم أن يخرجوه فأخرجوه من قبره ثم غسل وكفن وحنط ثم صلى عليه.
ومما يدل على جواز نبش القبور الدارسة لبناء المسجد وتوسيعهما رواه الإمام البخاري في صحيحه في قصة بناء النبي صلى الله عليه وسلم مسجده لماهاجر إلى المدينة وفيه : ( وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ بني النجار فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا . قالوا : والله لا نطلب ثمنه إلا إلى اللهتعالى . فقال انس : فكان فيه ما أقول لكم : قبور المشركين وفيه خرب وفيه نخل فأمرالنبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع … )رواه البخاري.

وبعد كل هذا أقول: إنه ينبغي التحرز والاحتياط في مسألة نبش القبور؛ لأن الأصل عدم النبش، فينبغي دراسة الحالات التي يسأل فيها عن نبش القبر دراسة متأنية ودقيقة؛ لأن كثيراً من الجهات تتساهل في هذا الأمر تساهلاً كبيراً فلا تراعي حرمة الأموات فتتعدى على المقابر من أجل توسيع الطرقات أو من أجل التنظيم العمراني مع عدم الحاجة الحقيقية إلى ذلك.

وقد ذكر الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ضوابط لا بدمن مراعاتها إذا أجزنا نبش القبور وهي:
1- مرور زمن طويل على القبر بحيث يعرف أن الميت قد بلي وصارتراباً ويعرف ذلك بالخبرة فإن البلاد والأرض تختلف طبيعتها.
2- إذا كان الميت يتأذى بوجوده في هذا القبر كما إذا صار موضع القبر رديئاً لوجود مياه أو قذارة تنز عليه أو نحو ذلك.
3-إذا تعلق حق لآدمي بالقبر أو بالميت نفسه.
4- أن تتعلق بالمقبرة مصلحة عامة ضرورية للمسلمين لا يتم تحقيقها إلا بأخذ أرض المقبرة أو جزء منها ونقل ما فيها من رفات . وذلك أن من القواعد الشرعية العامة أن المصلحة الكلية مقدمة على المصلحة الجزئية وأن الضررالخاص يتحمل لدفع الضرر العام فإذا كان هذا يطبق على الحي حتى إن الشرع ليجيز نزع ملكية أرضه وداره وإخراجه من مسكنه من أجل حفر نهر أو إنشاء طريق أو إقامة مسجد أوتوسيعه أو نحو ذلك فأولى أن يطبق على الميت الذي لو كان حياً ما رضي أن نؤذي إخوانه لأجله . وأخيراً لا بد من التذكير أنه إذا أردنا نبش مقبرة أو بعض مقبرة أن يحرص العاملون في الحفر على عدم كسر عظام الأموات وأن يقوموا بجمع تلك العظام ونقلها بكل احترام إلى مكان آخر تدفن فيه بمعرفة أهل الرأي والدين.
والله أعلم.