السؤال:

صليت الصبح في مسجد بجوار بيتنا ، ثم ذهبت إلى أحد المساجد لأتعلم أحكام التجويد في حلقة تقام هناك ، فوجدتهم لا يزالون يصلون الصبح ، فجلست حتى انتهوا من صلاتهم ، فلما سلم الإمام نهرني ، وقال لي : كان الصواب أن تصلي معنا ، حتى لو كنت صليت قبل ، فهل ما قاله صحيح ؟ أو ليست الصلاة في هذا الوقت مكروهة ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

من صلى في بيته أو في مسجد قريب من بيته ثم ذهب إلى مسجد آخر فوجد الجماعة مقامة استحب له أن يصلي معهم مرة أخرى لينال أجر الجماعة ،سواء أكانت هذه الصلاة صبحا ، أو ظهرا ، أو عصرا ، أو مغربا ، أو عشاء ، هذا هو الصحيح من أقوال الفقهاء دون تفرقة بين الصلوات ، ومن الفقهاء من رأى إعادة الصلوات ما عدا الصبح والعصر والمغرب ، ومنهم من استثنى الصبح والعصر فقط لورود النهي عن الصلاة في هذين الوقتين ، وأجاز بعض العلماء إعادة الصلاة جماعة ولو في غير المسجد للتصدق على من لم يدرك الجماعة حتى لو كان قد سبق له الصلاة في جماعة .

قال ابن قدامة في المغني :-

من صلى فرضه ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة ، استحب له إعادتها ، أي صلاة كانت ، بشرط أن تقام وهو في المسجد ، أو يدخل المسجد وهم يصلون . وهذا قول الحسن ، والشافعي ، وأبي ثور . فإن أقيمت صلاة الفجر أو العصر وهو خارج المسجد ، لم يستحب له الدخول ، لأن هذا الوقت نهي عن الصلاة فيه ، فلا يعيدها إلا مع إمام الحي ، وليس في كل الجماعات ، وبعض فقهاء المذهب الحنبلي لم يشترط هذا ، وأجاز إعادتها مع أي جماعة ، حتى لو كان صلاها في المرة الأولى في جماعة ،وعليه يدل كلام الإمام أحمد بن حنبل
فقد قال الأثرم : سألت أبا عبد الله عن من صلى في جماعة ، ثم دخل المسجد وهم يصلون ، أيصلي الثلاثاء قال : نعم . وذكر حديث أبي هريرة : أما هذا فقد عصى أبا القاسم . إنما هي نافلة فلا يدخل ، فإن دخل صلى ، وإن كان قد صلى في جماعة ، قيل له : والمغرب ؟ قال : نعم ، إلا أنه في المغرب يشفع أي يضيف ركعة إلى الثلاث.

وقال مالك : إن كان صلى وحده أعاد المغرب ، وإن كان صلى في جماعة لم يعدها ; لأن الحديث الدال على الإعادة قال فيه : صلينا في رحالنا أي في بيوتنا.
وقال أبو حنيفة : لا تعاد الفجر ولا العصر ولا المغرب ; لأنها نافلة فلا يجوز فعلها في وقت النهي ; لعموم حديث النهي ، ولا تعاد المغرب لأن التطوع لا يكون بوتر .
وقال ابن عبد البر : قال جمهور الفقهاء : إنما يعيد الصلاة مع الإمام في جماعة من صلى وحده في بيته أو في غير بيته . وأما من صلى في جماعة وإن قلت فلا يعيد في أخرى قلت أو كثرت ، ولو أعاد في جماعة أخرى لأعاد في ثالثة ورابعة إلى ما لا نهاية له ، وهذا لا يخفى فساده .
وعن ابن عمر ، والنخعي : تعاد الصلوات كلها إلا الصبح والمغرب .
وقال أبو موسى ، وأبو مجلز ، ومالك ، والثوري ، والأوزاعي : تعاد كلها إلا المغرب ، لئلا يتطوع بوتر .
وقال الحاكم : إلا الصبح وحدها . انتهى .

والراجح إعادة الصلوات كلها وسواء أكانت الأولى في جماعة أم لا للأدلة التالية :-

الدليل الأول :- روى جابر بن يزيد بن الأسود ، عن أبيه ، قال : { شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف ، وأنا غلام شاب ، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه . فقال : علي بهما فأتي بهما ترعد فرائصهما ، فقال : ما منعكما أن تصليا معنا ؟ ، فقالا : يا رسول الله ، قد صلينا في رحالنا . قال : لا تفعلا ، إذا صليتما في رحالكما ، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم ; فإنها لكم نافلة } . رواه أبو داود ، والترمذي ، وقال حديث حسن صحيح والأثرم .

الدليل الثاني روى مالك ، في ” الموطأ ” عن زيد بن أسلم عن بسر بن محجن ، عن أبيه ، { أنه كان جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن للصلاة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ، ثم رجع ومحجن في مجلسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما منعك أن تصلي مع الناس ، ألست برجل مسلم ؟ . فقال : بلى يا رسول الله ، ولكني قد صليت في أهلي . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا جئت فصل مع الناس ، وإن كنت قد صليت } .

الدليل الثالث عن أبي ذر قال : { إن خليلي – يعني النبي صلى الله عليه وسلم – أوصاني أن أصلي الصلاة لوقتها ، فإذا أدركتها معهم فصل ، فإنها لك نافلة } . رواه مسلم . وفي رواية : { فإن أدركتها معهم فصل ، ولا تقل : إني قد صليت ، فلا أصلي } . رواه النسائي .

الدليل الرابع :- عن أبي سعيد قال : { صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل رجل فقام يصلي الظهر ، فقال : ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه ؟ } أخرجه الترمذي وحسنه وابن حبان والبيهقي.

وقال ابن قدامة في توجيه هذه الأحاديث :-
وهذه الأحاديث بعمومها تدل على محل النزاع ، وحديث يزيد بن الأسود صريح في إعادة الفجر ، والعصر مثلها ، والأحاديث بإطلاقها تدل على الإعادة ، سواء كان مع إمام الحي أو غيره ، وسواء صلى وحده أو في جماعة . وقد روى أنس ، قال : صلى بنا أبو موسى الغداة في المربد – اسم مكان – ، فانتهينا إلى المسجد الجامع ، فأقيمت الصلاة ، فصلينا مع المغيرة بن شعبة .
وعن صلة ، عن حذيفة : أنه أعاد الظهر والعصر والمغرب ، وكان قد صلاهن في جماعة . رواهما الأثرم .انتهى .

الرد على أدلة المخالفين :-
من الأدلة التي ذكرها المخالفون قوله صلى الله عليه وسلم عن ابن عمر { : لا نصلي صلاة في يوم مرتين } رواه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان قد يكون المعنى النهي عن نية الفريضة بنية الفريضة ، ونحن نقول يعيدها بنية النافلة ، فيكون هذا خاصا بهذا المعنى ، أو يحمل النهي عمن كان صلى في جماعة فلا تطلب منه الإعادة بخلاف من صلى منفردا .

قال الشوكاني :-
وهذه الأحاديث تدل على مشروعية الدخول مع الجماعة بنية التطوع لمن كان قد صلى تلك الصلاة وإن كان الوقت وقت كراهة للتصريح بأن ذلك كان في صلاة الصبح . وإلى ذلك ذهب الشافعي فيكون هذا مخصصا لعموم الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة بعد صلاة الصبح ، ومن جوز التخصيص بالقياس ألحق به ما سواه من أوقات الكراهة . وظاهر التقييد بقوله صلى الله عليه وسلم : ” ثم أتيتما مسجد جماعة ” أن ذلك مختص بالجماعات التي تقام في المساجد لا التي تقام في غيرها .

والله أعلم