السؤال:

سيدي الشيخ أنا مبتلى بمرض الوسواس في الطهارة إلى الحد الذي يجعلني أقوم لصلاة الفجر فأظل داخل الحمام حتى شروق الشمس، وتفوتني الصلاة في وقتها، وأعاني أشد المعاناة في غسل ملابسي حتى أني أغسلها بنفسي، ولا أشتري ثوبا جديا إلا وقمت بغسله، لقد تحولت حياتي إلى جحيم، وأقضي معظم وقتي في الحمام؛ مما أثر على حياتي العلمية، وأضر بحالتي الصحية فهل من حل لما أنا فيه؟

الجواب:

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
فهذا من أعظم الأبواب التي يدخل منها الشيطان للإنسان، فيشغله عن العبادة، وربما يُقعده عنها، والمسلم خُلق ليحيا للإسلام، لا ليعيش في الحمام، فعليك أن تهون على نفسك، وتكتفي بغسل محل النجاسة، وغسل أعضاء الوضوء ولو مرة واحدة فقط وهي الفرض، وأن تتعامل مع ملابسك ومكان صلاتك على أساس أنها طاهرة، فالأصل الطهارة لا النجاسة حتى ترى النجاسة رأي العين، ويمكنك الإفادة مما كتبه فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الموضوع، ومتابعة حالتك مع طبيب متخصص، لأن هذا مرض له دواء معروف عند الأطباء، ونحن مطالبون بالأخذ بالأسباب.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه فقه الطهارة (باختصار وتصرف ):
“لقد أنكر العلماء من جميع المذاهب على أصحاب الوساوس ما أعنتوا به أنفسهم، وإن الله عن تعذيبهم أنفسَهم لَغَنِيٌّ، وهو سبحانه يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر”.

كتاب التبصرة للجويني في محاربة الوسواس:

ومن أوائل العلماء الذين صنّفوا في التحذير من الوسوسة، وذم الموسوسين: الشيخ الإمام أبو محمد الجويني من الشافعية، وهو والد إمام الحرمين، ورغم أن الشافعية يُعتبرون أشد المذاهب الأربعة في مسائل الطهارة والنجاسة، نجدهم ينكرون على المتنطعين في الدين تنطعهم، ويجتهدون أن يردوهم من الغلو إلى الاعتدال.
كتاب الشيخ أبي محمد يُسمى (التبصرة في الوسوسة) وقد نبَّه عليه الإمام النووي في (المجموع)، واقتبس منه فوائد كثيرة في مواضع شتى. قال النووي رحمه الله:
“اشتد إنكار الشيخ أبي محمد في كتابه هذا على من لا يلبس ثوبا جديدا حتى يغسله؛ لما يقع ممن يعاني قصر الثياب وتجفيفها وطيها من التساهل، وإلقائها وهي رطبة على الأرض النجسة، ومباشرتها لما يغلب على القلب نجاسته، ولا يغسل بعد ذلك، قال: وهذه طريقة الحرورية الخوارج؛ ابتُلوا بالغلو في غير موضعه، وبالتساهل في موضع الاحتياط! قال: ومن سلك ذلك فكأنه يعترض على أفعال رسول الله — صلى الله عليه وسلم –، والصحابة والتابعين، وسائر المسلمين؛ فإنهم كانوا يلبسون الثياب الجديدة قبل غسلها، وحال الثياب في ذلك في أعصارهم كحالها في عصرنا بلا شك”.
قال أبو محمد في التبصرة: نبغ قوم يغسلون أفواههم إذا أكلوا خبزا، ويقولون: الحنطة تداس بالبقر، وهي تبول وتروث في المداسة أياما طويلة، ولا يكاد يخلو طحين ذلك عن نجاسته! قال: وهذا مذهب أهل الغلو والخروج عن عادة السلف، فإنا نعلم أن الناس في الأعصار السالفة ما زالوا يدرسون بالبقر، كما يفعل أهل هذا العصر، وما نُقل عن النبي — صلى الله عليه وسلم — والصحابة والتابعين وسائر ذوي التقوى والورع أنهم رأوا غسل الفم من ذلك.

الحنابلة أشد اهتماما بمحاربة الوسواس والموسوسين:
هذا ما ذكره الإمام النووي في المجموع، في مطاردة الوسوسة والموسوسين في باب الطهارة.
ولكن الذين اهتموا بمحاربة الوسواس والموسوسين أكثر من غيرهم هم (الحنابلة) الذين قد يتهمهم بعض الناس بأنهم متشددون في الدين، حتى أصبحت كلمة (حنبلي) تعني: التشدد. وهذا ربما كان صحيحا في شأن العقيدة، وللحنابلة تشدداتهم في بعض البلاد في فترات معينة في التاريخ، حول أمور العقيدة، أما مذهبهم الفقهي فهو أيسر المذاهب، وخصوصا مع اجتهادات واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية.

الوسوسة من مكايد الشيطان:
ونحن نجتهد هنا أن نأخذ خلاصة ما كتبه ابن القيم رحمه الله. قال في “إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان”:
“ومن كيده الذي بلغ به من الجهّال ما بلغ: الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية، حتى ألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم من اتباع سنة رسول الله — صلى الله عليه وسلم –، وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفي حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد، والتعب الحاضر، وبطلان الأجر أو تنقيصه.
فالموسوس مسيء متعدٍ ظالم بشهادة رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسيء به متعد فيه لحدوده؟
وصح عنه أنه كان يغتسل هو وعائشة –رضي الله عنها- من قصعة بينهما فيها أثر العجين، ولو رأى الموسوس من يفعل هذا لأنكر عليه غاية الإنكار، وقال: ما يكفي هذا القدر لغسل اثنين؟ كيف والعجين يحلله الماء فيغيره؟ هذا والرشاش ينزل في الماء فينجسه عند بعضهم، ويفسده عند آخرين، فلا تصح به الطهارة، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك مع غير عائشة، مثل ميمونة وأم سلمة، وهذا كله في الصحيح.
وثبت أيضا في الصحيح عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه قال:
“كان الرجال والنساء على عهد رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يتوضئون من إناء واحد”.
فهدي رسول الله — صلى الله عليه وسلم — الذي من رغِب عنه فقد رغب عن سنته: جواز الاغتسال من الحياض والآنية، وإن كانت ناقصة غير فائضة، ومن انتظر الحوض حتى يفيض ثم استعمله وحده، ولم يمكن أحدا أن يشاركه في استعماله، فهو مبتدع مخالف للشريعة.
قال شيخنا (يعني: ابن تيمية): ويستحق التعزير البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله بالبدع لا بالاتباع.
وقال الإمام أحمد: “من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء”.
وقال المروزي: وضأت أبا عبد الله بالعسكر، فسترته من الناس، لئلا يقولوا: إنه لا يحسن الوضوء، لقلة صبه الماء!
وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى.
وثبت عنه — صلى الله عليه وسلم — في الصحيح: “أنه توضأ من إناء، فأدخل يده فيه، ثم تمضمض واستنشق”.
وكذلك كان في غسله يدخل يده في الإناء، ويتناول الماء منه، والموسوس لا يجوّز ذلك، ولعله أن يحكم بنجاسة الماء ويسلبه طهوريته بذلك.
وبالجملة فلا تطاوعه نفسه لاتباع رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، وأن يأتي بمثل ما أتى به أبدا، وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناء واحد قدر الفَرَق (قريبا من خمسة أرطال بالدمشقي)، يغمسان أيديهما فيه، ويفرغان عليهما؟ فالموسوس يشمئز من ذلك كما يشمئز المشرك إذا ذكر الله وحده.

شبهات الموسوسين ومعتمدهم:
قال أصحاب الوسواس: إنما حمَلَنا على ذلك: الاحتياط لديننا، والعمل بقوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”، وقوله: “من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه” وقوله: “الإثم ما حاك في الصدر”.
وقد وجد النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- تمرة فقال:
“لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها”.
وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام مَنْ شك في صلاته: أن يبني على اليقين.
وحرم أكل الصيد إذا شك صاحبه: هل مات بسهمه أو بغيره؟ كما إذا وقع في الماء. وحرم أكله إذا خالط كلبه كلبا آخر، للشك في تسمية صاحبه عليه. وهذا باب يطول تتبعه.
فالاحتياط والأخذ باليقين غير مستنكر في الشرع، وإن سميتموه وسواسا.
وقد كان عبد الله بن عمر يغسل داخل عينيه في الطهارة حتى عمي.
وكان أبو هريرة إذا توضأ أشرع في العضد، وإذا غسل رجليه أشرع في الساقين.

رد أهل الاقتصاد والاتباع عليهم:
وقال أهل الاقتصاد والاتباع: قال الله تعالى: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ” (الأحزاب: 21)، وقال تعالى: “قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ” (آل عمران:31)، وقال تعالى: “وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” (الأعراف: 158)، وقال تعالى: “وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (الأنعام: 153).
وهذا الصراط المستقيم الذي وصانا باتباعه هو الصراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه، وهو قصد السبيل، وما خرج عنه فهو من السبل الجائرة، وإن قاله ما قاله، لكن الجور قد يكون جورا عظيما عن الصراط، وقد يكون يسيرا، وبين ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، وهذا كالطريق الحسي، فإن السالك قد يعدل عنه ويجور جورا فاحشا، وقد يجور دون ذلك، فالميزان الذي يعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه: هو ما كان رسول الله وأصحابه عليه، والجائر عنه إما مفّرط ظالم، أو مجتهد متأول، أو مقلد جاهل. فمنهم المستحق للعقوبة. ومنهم المغفور له، ومنهم المأجور أجرا واحدا، وبحسب نياتهم ومقاصدهم واجتهادهم في طاعة الله تعالى ورسوله، أو تفريطهم.
ونحن نسوق من هدي رسول الله وهدي أصحابه ما يبين: أي الفريقين أولى باتباعه، ثم نجيب عما احتجوا به بعون الله وتوفيقه.
ونقدم قبل ذلك: ذكر النهي عن الغلو، وتعدي الحدود، والإسراف، وأن الاقتصاد والاعتصام بالسنة عليهما مدار الدين.
قال الله تعالى: “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ” (النساء:171)، وقال تعالى: “وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ” (الأنعام:141)، وقال تعالى: “تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا” (البقرة: 229)، وقال تعالى: “وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (البقرة: 190)، وقال تعالى: “ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (الأعراف: 55)
وقال أنس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
“لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات: “وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ”.
فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التشديد في الدين، وذلك بالزيادة على المشروع، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه، إما بالقدر، وإما بالشرع.
فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر: كفعل أهل الوسواس. فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر، حتى استحكم ذلك وصار صفة لازمة لهم.
قال البخاري: “وكره أهل العلم الإسراف فيه -يعني الوضوء- وأن يجاوزوا فعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم” وقال ابن عمر رضي الله عنهما: “إسباغ الوضوء: الإنقاء”.
فالفقه كل الفقه الاقتصاد في الدين، والاعتصام بالسنة.
والله أعلم