السؤال:

هناك شخص محكوم عليه بالسجن عدة سنوات، وهو متزوج، فماذا يصنع لإرضاء غريزته؟ وهل تُعتبر العِفَّة ضرورية لمثله؟ وما علاج الناحية الجنسية عند المسجونين؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فقد حرص الإسلام على العفة والطهارة ، وأشاعهما في المجتمع ، ووضع كثيرا من الوسائل التي تحقق هذه المقاصد ، ومن هذه الوسائل الصوم ، ورياضة البدن والنفس ، ويمكن للدولة أن تحقق للمسجون ما يعفه عن طريق تهيئة الوسائل التي تعفه ومنها تمكينه من زوجته ، وهذا من إصلاحه وتهذيبه .

يقول فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الشرباصي الأستاذ بجامعة الأزهر رحمه الله :

لا يستطيع أحد يحرص على الفضيلة والأخلاق أن يقول إن العفة ضارَّة، وإن كان المُلاحَظ في الوقت نفسه أنَّ الغريزة الجنسية من أقوى غرائز الإنسان، إن لم تكن أقواها جميعًا، وهذه الغريزة تحتاج إلى إرضاء وتعبير عن نفسها، وإذا لم تَنَلْ هذه الغريزة إرضاءها بطريق مستقيم أو مشروع، التَمَستْ ذلك بطريق منحرف أو غير مشروع.

وقد جرى عُرف الناس على عدم الحديث عن هذه الغريزة، وبعضُهم يَعُدُّه عَيْبًا، وليس هذا من استقامة التفكير في شيء، فالغريزة الجنسية كسائر الغرائز الطبيعية، التي تكون قوة من قوى الخير إذا استقامت وأحسن الناسُ استعمالَها، وتكون قوة من قوى الشر إذا أساءوا استخدامها.

ونستطيع بسهولة أن نقول: إن جوع الجنس كجوع البطن، فكما يحتاج البطن إلى غذاء، تحتاج غريزة الجنس إلى إرضاء، وليس في هذا الإرضاء غضاضة أو عيب ما دام الإرضاء يأتي عن طريق بعيد عن الحرام.

والإسلام يُقدِّر لهذه الغريزة قِيمتَها، ويعمل على تهذيبها وإرضائها؛ لأنها هي الوسيلة لبناء الأسرة، واشتراك المرأة مع الرجل في الحياة، وهي كذلك الوسيلة لبقاء النوع الإنساني واتصال النسل.

ولذلك نجد الإسلام يشرع الزواج لإرضاء هذه الغريزة وتحقيق فوائدها. والأصل أن يتزوج الإنسان متى وَجد من نفسه ما يدعوه إلى إرضاء غريزته، وما دام قادرًا على تكاليف الزواج، وهيَّأتْ له ظروفه أن يفعل.

ولكن قد يعجز الإنسان عن تكاليف الزواج مع رغبته فيه، وهنا ينصح الإسلام بحسن المقاومة للنزوات، والاستعانة على ذلك بما يستنفد الطاقة الثائرة في الرغبة الجنسية، ويشغل صاحبها عن الاشتغال بها أو التفكير فيها، وهنا يقول الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ : “يا معشرَ الشبابِ، مَنِ استطاع منكمُ الباءةَ ) أي تكاليف الزواج ) فلْيَتَزَوَّجْ، ومَن لم يستطع فعليهِ بالصومِ، فإنه له وِجاء ” ( أي (وقاية وصيانة).

وإنما نصح الرسول بالصوم؛ لأنه يُخفف حِدَّة الشهوة، ويوجد في الإنسان نوعًا من الروحانية، يجعله غير مُنشغل كثيرًا بالتفكير في هذه الناحية.

وما دام الرسول قد نصح بالصوم كمُلطف لحدة الغريزة، وشاغل عن التفكير فيها، فلا يصعب علينا أن نعتبر الصوم إحدى الوسائل التي يُمكن استخدامها هنا، ولا يمنع أن نستعمل وسائل أخرى للتلطيف والتهذيب، فهناك الرياضة بأنواعها وهي من أجود الوسائل لشَغْلِ الذهن عن التفكير في هذه الأمور، ولاستهلاك الفائض من فضلات الجسم وحيويته عن القدْر المناسب له، وهناك الفنون بأنواعها النظيفة، وهناك المطالعة والكتابة، وهناك قبل هذا كله التديُّن المصحوب بالتعبُّد المنتظم .. كل هذه عوامل مُلطِّفة، وإن كنا لا نستطيع الجزم بأنها كافية لعلاج هذه الحال علاجًا حاسمًا نهائيًا.

وأما عن الحالة المسئول عنها في السؤال فأرى أنها تدخل في نطاق الحالات الفردية التي لا يَسهُل فيها تقعيد قاعدة أو وضع قانون؛ لأن الشخص صاحب المشكلة مُذنب يقضي فترة عقاب، فهو إذن ليس في وضْعه الطبيعي من الحياة والمجتمع، فعليه أن يعتبر نفسه في حالةٍ لا يتمتع فيها صاحبها بكل ما يتمتع به الفرد العادي.

وقد يكون مِن وسائل العلاج هنا أن تُنظَّم زيارات بين الأزواج والزوجات، بحيث تتم داخل السجن أو خارجه، وفي هذه الزيارات علاج لا يقتصر على الأزواج المسجونين وحدهم، بل يشمل علاج زوجاتهم في الخارج، وهن اللواتي قد يَتعرضْنَ لمثل ما يتعرض له أزواجهن أو أكثر في هذه الناحية.

وقد يكون من العوامل المعاونة على علاج المشكلة في هذه الحالة أن يتجنب الإنسان العوامل المثيرة لغريزته، سواء أكان ذلك يتعلق بالطعام أم بالشراب أم بلون من القراءة أم بالفراغ أم بحوافز التفكير في هذه الأمور، كما يستطيع إذا اشتدت به حالته وخشي منها السوء أن يستعين بما ذكرناه من وسائل مُلطِّفة أو مُهذبة.

وفيما يتعلق بالقائمين على شئون السجون أرى أن يعاونوا على إيجاد الجو المُلطِّف والمُهذِّب، وهذا يتحقق بعدة أمور منها: إفراد كل مسجون بمكان، أو وضع أكثر من مسجونين في كل حجرة، وتوفير وسائل الرياضة البدنية التي تحقق التربية الرياضية، وكذلك وسائل الفنون المختلفة، وتهيئة الكتب والمراجع، بشرط أن تكون من النوع المُثمر المنتج البعيد عن الإثارة لنزعات الجسد ورغبات الجنس، وعليهم أن يُحسنوا علاج ما يقع من نزوات أو هفوات في هذا الباب، متذكرين أن الإنسان عرضة للخطأ، وأن حُسْنَ علاج الخطأ مع توفير الوقاية منه خير وسيلة لتجنبه فيما يستقبل.

وقد يكون من الخير أن تتألف لجنة من المختصين بشئون الدين والاجتماع والنفس لبحث هذه المشكلة، ووضع الأسس العلمية الكفيلة بعلاجها علاجًا نافعًا مستقيمًا؛ لأن الاضطراب الجنسيَّ يؤدِّي إلى أضرار فردية وجماعية لا يتَّسع هذا المجال لبحثها واستقصائها، وهي من البروز والوضوح بحيث لا يحتاج خطرها إلى بيان أو إيضاح.

والله أعلم.

 


الوسوم: , ,