السؤال:

ما هو منهج الشيخ الغزالي في التعامل مع أحاديث الفتن،حيث إنه رفض بعض الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم ؟

الجواب:

بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:
‏المفهوم من منهج الشيخ الغزالي في أحاديث الفتن أن مثل هذه الأحاديث لو أخذت على ظاهرها، فهي تدب في نفوس المسلمين الوهن والضعف والرضوخ للاحتلال والأعداء، وهذا ما لا يتماشى مع قواعد القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكن أحاديث الفتن لابد من معرفة أسباب ورودها حتى توضع في موضعها، وكي لا يسيء إنسان فهمها، حتى لا تستغل هذه الأحاديث في تثبيط الأمة عن الجهاد والدفاع عن أرضها ودينها،بحجة أن ذلك من قضاء الله وقدره. :

يقول الدكتور سعيد عبد الجبار أستاذ الحديث بجامعة اليرموك بالأردن – :
موقف الغزالي ـ رحمه الله ـ من أحاديث الفتن جدير بالتأمل والتوقف عنده، وهو موقف ينسجم مع شخصيته الثقافية، ونهجه الفكري في التعامل مع قضايا الإسلام، وقد عز عليه ـ وهو الذي يغار على أمته ـ أن يراها راكنة إلى الأوهام، تستمرئ الفشل، تعلق هزيمتها على شماعة الاستعمار، وتتقبل ضعف المسلمين، وتعتبر تراجع الإسلام طبيعيًا، بحجة أن النبي أخبر بذلك، وبالتالي تعتقد أن تغيير الحال من المحال، ‏ومجمل ما روي في أحاديث الفتن، التي تنبئ بأحوال الضعف والانحسار للإسلام، والفتن التي تعتري المسلمين، هذه الأحاديث في مجملها تحتاج إلى توقف؛ أولا لإثبات صحتها سندًا ومتنًا، وثانيًا لفهمها الفهم الإيجابي الصحيح الدافع للعمل، لا الفهم السلبي المتخاذل المستسلم للهزيمة : ، ولذلك فإن الشيخ الغزالي، قبل أن يعرض لعدة نماذج من أحاديث الفتن، بدأ يقرر (حقيقة واحدة هي أننا نحن المسلمين، نؤمن بإله لا حدود لمجده ولا منتهى لكمالاته ومحامده، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ورزقنا وكسانا وآوانا وعلمنا وربانا، وأفاض علينا من آلائه، مالا يحصى، وأننا سنظل نذكره ونعبده ما بقينا على ظهر الأرض مستعدين بذلك للقائه بعد الموت، لنستأنف حياة أخرى عنده، عامرة بالثناء عليه والتسبيح بحمده).

وقد أكد حقيقة انزعاجه من أثر نظرة المسلمين إلى أحاديث الفتن، بما سجله في (قذائف الحق) تحت عنوان (دين زاحف مهما كانت العوائق) فقال: ” كلما قرأت أبواب الفتن في كتب السنة شعرت بانزعاج وتشاؤم، وأحسست أن الذين أشرفوا على جمع هذه الأحاديث قد أساؤوا ـ من حيث لا يدرون ومن حيث لا يقصدون ـ إلى حاضر الإسلام ومستقبله، ‏لقد صوروا الدين وكأنه يقاتل في معركة انسحاب، يخسر فيها على امتداد الزمن أكثر مما يربح، ودونوا الأحاديث مقطوعة عن ملابساتها القريبة، فظهرت وكأنها تغري المسلمين بالاستسلام للشر والقعود عن الجهاد، واليأس من ترجيح كفة الخير؛ لأن الظلام المقبل قدر لا مهرب منه : ، وماذا يفعل المسلم المسكين وهو يقرأ حديث أنس بن مالك الذي رواه البخاري عن الزبير بن عدي، قال: شكونا إلى أنس بن مالك ما نلقى من الحجاج فقال: ” اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم” سمعته من نبيكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وظاهر الحديث أن أمر المسلمين في إدبار وأن بناء الأمة كلها إلى انهيار على اختلاف الليل والنهار، وهذا مع أن الحديث يخالف أحاديث صحاحًا كثيرة تحمل مبشرات بظهور الإسلام واتساع دولته وانتشار دعوته، كما يخالف الأحداث التي وقعت في العصر الأموي نفسه… (يعني انتشار الإسلام في الصين وأوروبا).
… ولقد أتي بعد أنس بن مالك عصر الفقهاء والمحدثين الذين أحيوا الثقافة الإسلامية، وخدموا الإسلام أروع وأجل خدمة، فكيف يقال: إن الرسالة الإسلامية الخاتمية كانت تنحدر من سيء إلى أسوأ؟؟ هذا هراء، الواقع أن أنسًا رضي الله عنه كان يقصد بحديثه منع الخروج المسلح على الدولة بالطريقة التي شاعت في عهده ومن بعده، فمزقت شمل الأمة، وألحقت بأهل الحق خسائر جسيمة، ولم تنل المبطلين بأذى يذكر.
وأنس بن مالك أشرف دينًا من أن يمالئ الحجاج أو يقبل مظالمه، ولكنه أرحم بالأمة من أن يزج بأتقيائها وشجعانها في مغامرات فردية تأتي عليهم، ويبقى الحجاج بعدها راسخًا مكينًا وتصبيره الناس حتى يلقوا ربهم ـ أي حتى ينتهوا هم ـ لا يعني أن الظلم سوف يبقى إلى قيام الساعة، وأن الاستكانة الظالمة سنة ماضية إلى الأبد، إن هذا الظاهر باطل يقينًا، والقضية المحدودة التي أفتى فيها أنس لا يجوز أن تتحول إلى مبدأ قانوني يحكم الأجيال كلها؟؟
ومما ينسجم مع نهجه الفكري ـ رحمه الله ـ موقفه من الأحاديث الواردة في بعض الأمور الغيبية وخاصة بعض أحاديث الصفات حيث قال معقبًا على ما ورد في الحديث من أن الساق هي العلامة التي يعرف بها المؤمنون ربهم… قال ” الحديث كله معلول وإلصاقه بالآية خطأ : ( يعني الآية ” يوم يكشف عن ساق”) (القلم: 42) ‏وبعض المرضى بالتجسيم هو الذي يشيع هذه المرويات، وإن المسلم الحق ليستحي أن ينسب إلى رسوله هذه الأخبار، واضطراب القول يقع في الأمور الغيبية كما يقع في الأمور التكليفية العملية، ولا يضير الإسلام أن تتشابه الأمور على أحد الرواة، فالكتاب معصوم والسنة في جملتها سليمة، وليس العجب من غلط يقع فيه راو، وإنما العجب من قبول هذا الخطأ، ثم الحماس في الدفاع عنه، ولم يكن ذلك شأن الأئمة ولا منهج السلف والخلف). : وهذا المنهج عمومًا عند الشيخ الغزالي يظهر في أكثر من مجال إذا أردنا متابعة الجانب التطبيقي له، ومن ذلك موقفه من كثير من المرويات الواردة في شأن المرأة وتقليلها من الدور الرائد الذي ينبغي لها، وكذلك المرويات المتعلقة بصرع الجان للإنسان، ونحو ذلك مما يمكن استقصاؤه في كتابه “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث” مما يدلل على حرص قل نظيره على تنقية الإسلام وصون سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما اختلط بها من الغلط، وسوء الفهم، وإقحام العادات والأعراف الرديئة، والأفهام السقيمة واعتبارها وحدها الدين الذي لا يصح الإسلام لفرد إلا به.

والله أعلم


الوسوم: ,