السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم مشايخنا الأفاضل : هل يجوز للمسلمين الذين يعيشون في مجتمعات غير إسلامية المشاركة في الانتخابات التي تجري في هذه البلاد،مع الاعتبار أنهم قد يكونون أعضاء في المجالس التشريعية لهذه البلاد،والتي لا تجعل الشريعة دستور الحكم ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يتضح من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العملية أنه كان يتعاون مع غير المسلمين في أمور الدنيا، مادام يترتب على هذا التعاون مصلحة للمسلمين، أو إقامة للعدل، أو دفع للظلم، ومن هنا، فإن اشتراك المسلمين في انتخابات المجتمعات غير الإسلامية جائزة، وقد تصل إلى درجة الوجوب إن كان في الاشتراك فيها جلب نفع للمسلمين، أو دفع ضر عنهم .

وإليك فتوى المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء:
قبل الإجابة على هذا السؤال لابد من التقديم له بمقدمات ثلاثة، تكون نتائجها جوابًا عن هذا السؤال المهم .
المقدمات :
1-  ‏الولاء.

‏2-  بعض مشاركات النبي في المجتمعين المكي والمدني.

3-  ‏دستور المدينة.

المقدمة الأولى : الولاء يمكن تقسيمه إلى قسمين:

1- الولاء في شؤون الدين، وهو الولاء العقدي الذي يتعلق بالإيمان بالله وحده والتخلص من كل عقيدة تتنافى مع التوحيد، وهذا النوع لا يكون إلا لله ولرسوله ولعباده المؤمنين، قال الله تعالى، “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ ” (المائدة 55)
2- الولاء في شؤون الدنيا: والمقصود به التعامل بين الناس في المجتمع الواحد، أو بين المجتمعات وإن تباعدت بينها المسافات، واختلفت مشاربها وعقائدها وتشمل التجارة والعهود والمصالحات وأحكامها تختلف باختلاف الأحوال والظروف، وكتب الفقه تحوي الكثير من التفاصيل في هذا النوع من الولاء .

المقدمة الثانية:  ‏بعض مشاركات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المجتمعين المكي والمدني كانت حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مكة سواء قبل البعثة أو بعدها حافلة بالمشاركات الإيجابية في الحياة العامة في المجتمع المكي والمدني ومن أهمها :
أولا : حرب الفجار ‏وكانت من بعض القبائل العربية التي وقع منها اعتداء على حرمة أرض الحرم وفي الأشهر الحرم، فلم يجد أهل مكة بدًا من الدفاع عن المقدسات، وقد كان العرب فيهم بقية من الاحترام والتعظيم للمقدسات ورثوا ذلك من الحنفية الإبراهيمية، واستمرت هذه الحرب أربعة أعوام وكان عمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ آنذاك من الخامسة عشر إلى التاسعة عشر سنة .
وشهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه هذه الحرب مع أعمامه وقال (كنت أنبل على أعمامي) أي أرد لهم نبل عدوهم، وذلك شعورًا منه بما يقتضيه واجب الدفاع عن الوطن ورد العدوان والظلم .

ثانيا : حلف الفضول ‏وهو حلف جرى في دار عبد الله بن جدعان بين أكبر وأهم قبائل مكة، وكان من أهم ما ورد في هذا الحلف أن لا يجدوا بمكة مظلومًأ من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى يرد عليه مظلمته، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد البعثة عن هذا الحلف الذي شارك فيه (لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت) .

يقول الشيخ محمد الغزالي:  معلقًا على هذا الموقف من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن الحمية ضد أي ظالم مهما علا ومع أي مظلوم مهما هان، روح الإسلام الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والواقف عند حدود الله، ووظيفة الإسلام أن يحارب البغي في سياسات الأمم ، وفي سياسات الأفراد على السواء، ومشاركة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحلف يعد موقفًا إيجابيًا منه حيث اعتبر أنه جزء من هذا المجتمع، وكل ظلم أو خلل في المجتمع إن ترك كانت سلبياته شرا بالمجتمع كله .
ثالثا: المشاركة المادية عند حلول الكوارث والأزمات ‏
ولم تتوقف مشاركة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في فترة وجوده في مكة فقط بل حتى بعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة حيث اتسعت هذه المشاركات لتشمل الجوانب المختلفة ” فقد روي عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه بلغه في زمن الحديبية أن جائحة كبيرة ألمت بأهل مكة، فأرسل إليهم حاطب بن أبي بلتعة ، وأرسل معه خمسمائة دينار ليشتري لفقراء مكة ومعوزيها ما يحتاجون إليه، رغم أنهم منعوه من دخول مكة ، ومع هذا رأي أن من واجبه أن يساعدهم في تخفيف ما أحل بهم من مجاعة .

المقدمة الثالثة‏: دستور المدينة: والمتأمل في دستور المدينة أو المعاهدة التي عقدها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين المسلمين واليهود والعرب المشركين، وبهم كان يتكون المجتمع المدني، بعد وصول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة يلحظ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعل الولاء العام حقًا لجميع المواطنين بغض النظر عن دينهم وجنسهم ولونهم، والشرط الوحيد لهذا الولاء هو التزام المواطن بالنظام العام الجديد الذي ظهر في المدينة، وقد قابل هذا الحق مجموعة من الواجبات التي يقتضيها هذا الولاء، وقد نصت المعاهدة عليها كما يلي :
1- وأن بينهم (بين الموقعين على هذه المعاهدة) النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة .
2-  وأن بينهم النصر للمظلوم .
3-  وأن بينهم النصر على من دهم يثرب .
نستنتج من هذه البنود الثلاث أن المسلمين في المدينة استطاعوا أن يتعاونوا مع بقية أفراد المجتمع وطوائفه المختلفة على الوقوف ضد كل من يرى إحداث فتنة بين أفراد المجتمع الواحد والوقوف إلى جانب المظلوم أيًا كان، والوقوف للدفاع عن وطنهم ” المدينة” إذا تعرض لعدوان خارجي .
وهذا الولاء العام يدخل فيما أسميناه بالولاء في شؤون الدنيا ، وهو يقرر أن بإمكان المواطنين أن يعيشوا في مجتمع واحد مع اختلاف عقائدهم، بل إن هذا الدستور جعل أهل الكتاب أمة مع المسلمين فمن بنوده :
1-  أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين .
2- لليهود دينهم وللمسلمين دينهم .
3-  بقية القبائل اليهودية لها نفس الحقوق التي لبني عوف .
الخلاصة ‏
يتبين من موضوع الولاء أن الموالاة في أمور الدنيا بين المسلمين وغيرهم أمر مشروع وسيرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفضل بيان لذلك، فقد كانت له مشاركات عديدة مع غير المسلمين، في المجتمعين المكي والمدني، لدفع الظلم والبغي وتخفيف المصائب والنكبات، كما أن دستور المدينة كان أوضح مثال على تعاون أصحاب الوطن الواحد على اختلاف معتقداتهم في إرساء قواعد العدل والمناصرة والتعاون على البر .

فالمتأمل في هذه الوثيقة والمتتبع لعلاقة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع غير المسلمين يجد أن الولاء الديني محصور بين المسلمين الذين يجمعهم دين واحد وعقيدة واحدة بحيث يكنون المودة والمحبة لبعضهم ويتعاونون في إيجاد المؤسسات التي تساعدهم على إقامة شعائرهم والمحافظة على تطبيق دينهم، بينما الولاء في شؤون الدنيا هو أعم لأنه يشمل جميع المواطنين الذين تربطهم علاقات مختلفة… علاقة المواطنة وعلاقة المصير المشترك وعلاقة الجوار وأحيانًا علاقة النسب ثم تتوسع هذه العلاقات إلى اقتصادية وتجارية .
والإسلام كما نفهمه من نصوص القرآن والسنة رحمة كله، وعدل كله ، وخير كله، ومن مقاصده الكبيرة أنه جاء من أجل تحقيق المصالح ودرء المفاسد فردية وجماعية .

والانتخابات في الأنظمة المعاصرة هي وسيلة من الوسائل التي يعبر الشعب من خلالها عن الأشخاص والبرامج التي يحملونها ويحكمون عليها ويختارون الصالح منها أي ما يرون أنه الأفضل والأصلح للمجتمع .
والمسلمون في هذا المجتمع لديهم حقوق وعليهم واجبات كغيرهم ، فإذا أخلوا بما يجب عليهم فقد أسقطوا ما لهم من حقوق؛ لأن الحقوق والواجبات متقابلة .

ومشاركتهم في الانتخابات أيًا كانت إضافة إلى كونها واجب وطني فهي أيضًا تدخل في باب التعاون على الخير وجلب النفع للمجتمع ودفع الضرر عنه‏، والله تعالى يقول (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْعَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة : 2
ولهذا فإن هذه المشاركة جائزة شرعًا ولا حرج فيها، وهي تدخل أيضًا في المحالفة والمناصرة، مع من يري المسلم أن في نجاحهم نفعًا وخيرًا للمجتمع والمسلمين، وأحيانًا قد تتعين هذه المشاركة فتصبح واجبًا وخاصة إذا شعر المسلمون أن في مشاركتهم جلبا لنفع أو درءا ومنعا لضرر، والقاعدة الفقهية تقول: ” ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ”

والله أعلم