السؤال:

ما قولكم في ظاهرة السهر التي يعاني منها كثير من الناس، حيث إنهم يسهرون إلى ساعة متأخرة من الليل ثم ينامون وتضيع عليهم صلاة الفجر فلا يصلونها في وقتها الشرعي ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يكره السهر بعد صلاة العشاء إلا إذا كان في الأمور النافعة، أما إذا كان في الأمور المنكرة فهو محرم . وإذا أدى السهر إلى ضياع صلاة الفجر فهو محرم، وإن كان لابد للمسلم من السهر فعليه أن ينتفع بوقته في الأمور النافعة ، وأن يحرص على أداء صلاة الفجر في وقتها الشرعي .

وإليك تفصيل ذلك في فتوى الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة – أستاذ الفقه وأصوله – جامعة القدس – فلسطين :

إن من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان نعمة الوقت أو الزمن ، يقول الله تعالى :( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَءَاتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) سورة إبراهيم الآيات 32-34 .

وقال تعالى :( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) سورة النحل الآية 12 .

وقد اعتنى الإسلام عناية فائقة بالوقت وحث المسلم على تنظيم وقته فكثير من الأحكام الشرعية مرتبطة بالوقت ارتباطاً وثيقاً، قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله :[ وقد رسم الشرع الحنيف : التوقيت في تكاليف كثيرة غير الصلاة ، فوقت في أحكام الحج والزكاة والصوم وزكاة الفطر والأضحية والسفر والتيمم والمسح على الخفين ، والرضاع والطلاق والعدة والرجعة والنفقة والدين والرهن والضيافة والعقيقة والحيض والنفاس وغيرها . وما ذلك إلا لمعنى هام رتب الشرع التوقيت عليه ولحظ المصلحة والنفع به .

وقد غفل كثير من المسلمين اليوم عن هذا التوجيه الإسلامي الدقيق لهم من جانب الشرع الأغر ، فجعلوا يأخذون ويتعلمون أهمية ربط الأعمال بالتوقيت المناسب ، من غيرهم ! وكأنهم لم يمرنوا أو يربوا على ذلك من أول يوم كلفوا فيه بأحكام الشريعة الغراء وفي أولها الصلاة . فيجب على المسلم أن ينتبه إلى الوقت في حياته وإلى تنفيذ كل عمل من أعماله في توقيته المناسب ، فالوقت من حيث هو معيار زمني : من أغلى ما وهب الله تعالى للإنسان وهو في حياة العالم وطالب العلم رأس المال والربح جميعاً فلا يسوغ للعاقل أن يضيعه سدى ، ويعيش فيه هملاً سبهللاً .

وعلى الرغم من عظم نعمة الوقت وأهميتها في حياة المسلم إلا أن أكثر المسلمين عنها غافلون وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال :( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ) رواه البخاري . فقول النبي صلى الله عليه وسلم :( مغبون فيهما كثير من الناس ) يدل على أن المنتفعين من أوقاتهم وصحتهم قلة قليلة . ويجب على المسلم ان يستفيد من وقته وينتفع به .

قال العلامة الشيخ القرضاوي : [ وأول واجب على الإنسان المسلم نحو وقته أن يحافظ عليه كما يحافظ على ماله بل أكثر منه ، وأن يحرص على الاستفادة من وقته كله ، فيما ينفعه في دينه ودنياه ، وما يعود على أمته بالخير والسعادة والنماء الروحي والمادي . وقد كان السلف – رضي الله عنهم – أحرص ما يكونون على أوقاتهم ، لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها ومن ذلك :

يقول الحسن البصري : أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم ! ومن هنا كان حرصهم البالغ على عمارة أوقاتهم بالعمل الدائب والحذر أن يضيع شيء منه في غير جدوى .

يقول عمر بن عبد العزيز : إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما ! وكانوا يقولون : من علامة المقت إضاعة الوقت . ويقولون : الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك .

يقول ابن مسعود رضي الله عنه :ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي !

وقال عبد الله بن عمر :كل يوم يمر بي لا أزداد فيه علماً يقربني من الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم .

لقد كان السلف يحاولون دائماً الترقي من حال إلى حال أحسن منها ، بحيث يكون يوم أحدهم أفضل من أمسه وغده أفضل من يومه ويقول في هذا قائلهم : من كان يومه كأمسه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون ! وكانوا يحرصون كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم أو برهة من الزمان وإن قصرت دون أن يتزودوا منها بعلم نافع أو عمل صالح أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع إلى الغير حتى لا تتسرب الأعمار سدى وتضيع هباء وتذهب جفاء وهم لا يشعرون . وكانوا يعتبرون من كفران النعمة ومن العقوق للزمن : أن يمضي يوم لا يستفيدون منه لأنفسهم ولا للحياة من حولهم نمواً في المعرفة ونموا في الإيمان ونمواً في عمل الصالحات . ] الوقت في حياة المسلم ص12-13 .

وبعد هذا الكلام الموجز في بيان أهمية الوقت في حياة المسلم أعود إلى إجابة السؤال فأقول بأنه قد صح في الحديث عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم :( كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها ) رواه البخاري ومسلم .

وفي رواية لمسلم :( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها ). ورواه الترمذي بلفظ :( كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها ) وقال الترمذي بعد رواية الحديث السابق :[ وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها ورخص في ذلك بعضهم ] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي 1/435 .

ورود عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت :( ما نام رسول الله قبل العشاء ولا سمر بعدها ) صحيح سنن ابن ماجة 1/117 .

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :( جدب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم السمر بعد العشاء يعني زجرنا ) رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان وهو حديث صحيح.

قال الإمام النووي : ( وسبب كراهة الحديث بعد العشاء أنه يؤدي إلى السهر ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو الذكر فيه أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو وفي وقتها المختار أو الأفضل ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا . قال العلماء : والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها . أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه ، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك ، فكل هذا لا كراهة فيه وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه والباقي في معناه ) شرح النووي على صحيح مسلم 2/282 .

وقال الإمام النووي أيضاً : [ ويكره لمن صلى العشاء الآخرة أن يتحدث بالحديث المباح في غير هذا الوقت، وأعني بالمباح الذي استوى فعله وتركه فأما الحديث المحرم في غير هذا الوقت أو المكروه فهو في هذا الوقت أشد تحريماً وكراهة، وأما الحديث في الخير كمذاكرة العلم وحكايات الصالحين ومكارم الأخلاق والحديث مع الضيف فلا كراهة فيه بل هو مستحب، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة به وكذلك الحديث للعذر والأمور العارضة لا بأس به وقد اشتهرت الأحاديث بكل ما ذكرته ] الأذكار ص 321 .

وخلاصة القول أن السهر بعد صلاة العشاء مكروه بشكل عام إلا إذا كان في الأمور النافعة. وأما السهر في الأمور التافهة كالسهر لمتابعة الأفلام والتمثيليات الساقطة وفي غيرها من الأمور المنكرة فهو محرم . كما أن السهر الذي يؤدي إلى ضياع صلاة الفجر محرم لأن ما أدى إلى الحرام فهو حرام . وإذا حصل أن بعض الناس لا يستطيع أن ينام مبكراً ولا بد له من السهر فعليه أن ينتفع بوقته في الأمور النافعة، كما يجب عليه أن يعمل بالأسباب التي تعينه على أداء صلاة الفجر في وقتها الشرعي .

والله أعلم .