السؤال:

ما المراد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوًّا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم) ؟

الجواب:

المقصود بعداوة الزوجة والأبناء أن تكون العاطفة نحوهم سببا في الحرمان من الخير، فلذا يجب على المسلم أن يضبط عاطفته تجاه أهله وأولاده بميزان الشرع، وألا تكون العاطفة سببا في ترك مأمور أو فعل محظور، فإنه يوم القيامة تقطع فيه الأنساب، ولن يبق للمرء إلا ما قدم، وصدق الله العظيم (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَايَتَسَاءلُونَ) المؤمنون 101.

يقول د. أحمد طه ريان- أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر- : روى الترمذي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ سأله رجل عن هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) /التغابن : 14/ قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مهاجرين، وأبى أزواجهم وأولادهم أن يَدَعوهم أن يأتوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما أتوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي متأخرين عن غيرهم، ورأوا الناس قد فقهوا في الدين، هموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح .

فقد كان الأهل والأولاد سببًا في حرمان أوليائهم من السبق في الهجرة؛ حيث أظهروا لهم ما يمكن أن يلحقهم بعد رحيلهم عنهم من الذلة والهوان والضعف والحرمان، مما رقق قلوبهم عليهم، وخشوا عليهم الضيعة بعدهم، فثقلوا عن الهجرة حتى سبقهم غيرهم، ممن أشاد الله تعالى بهم وبمكانتهم في الدنيا والآخرة في قوله جل شأنه: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) التوبة: 100.

وهناك صور كثيرة من هذه العداوة التي تأتي من قبل الأهل والولد مثل الإلحاح على رب الأسرة بكثرة الالتزامات، والتشديد عليه حتى يدفعه ذلك إلى الانحراف في تحصيل الكسب؛ لكي يوفر لهم التزاماتهم، ومنها الدخول في مناقشات حادة مع الجيران والزملاء، وتحريض رب الأسرة على الانتصار، وأخذ الحقوق لهم مما يدفعه إلى الدخول في مشاجرات ومعارك مع الغير لا تنتهي إلا بخسائر في النفس والولد والمال، فضلاً عن ضياع الجهد والوقت، وغير ذلك من صور العداوة التي يكون الأهل والولد سببًا فيها، فإذا حدث شيء من ذلك، فلا ينبغي أن يرجع رب الأسرة لكي يعاقب من كان سببًا في ذلك، بل عليه أن يلوم نفسه أولاً على عدم التريث، وعدم أخذ الأمور بالحكمة التي كانت تقتضيها الظروف المناسبة، وأن يعالج الدواعي التي دفعته إلى هذا التصرف بالرفق حتى لا يتكرر ما حدث مرة أخرى .
والله أعلم