السؤال:

كيف نوفق بين علم الأطباء الآن بذكورة الجنين وأنوثته , وقوله تعالى : ( وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ) لقمان/24. وما جاء في تفسير ابن جرير عن مجاهد أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما تلد امرأته , فأنزل الله الآية وما جاء عن قتادة رحمه الله ؟ وما المخصص لعموم قوله تعالى : (ما في الأرحام) ؟.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

معرفة الأطباء لنوع الجنين ذكرا كان أو أنثى لا يتناقض مع معرفة علم الله تعالى للغيب، فإن كان الأطباء بعد التخلق قد عرفوا نوع الجنين، فإنهم قبل التخلق لم يكونوا يعرفون نوعه، كما أنهم لا يعرفون مدة بقائه جنينا على وجه اليقين، في بطن أمه، ولا يعرفون ما سيكون عمله، ولا يعرفون رزقه، ولا يعرفون أيكون شقيا أم سعيدا .كما أن الآية لم تصرح بعدم معرفة نوع الجنين ،وإنما قالت :(ويعلم ما في الأرحام ) بصيغة العموم لا بالخصوص.

أما الحديث الوارد في أن الآية نزلت سؤالا عما تلد المرأة ،فهو حديث منقطع لا يصح.
أما المخصص لقوله :(ما في الأرحام )، هو الواقع الذي لا شك فيه ، وتخصيص الواقع والعقل للنص الشرعي أمر متفق عليه بين أهل الأصول.
وليس هناك تناقض بين النصوص الشرعية والعلم الحديث إذا كان قد وصل إلى مرتبة العلم القطعي، لا مجرد النظريات التي لم تستقر .

يقول الشيخ محمد صالح المنجد من علماء السعودية:

قبل أن أتكلم عن هذه المسألة أحب أن أبين أنه لا يمكن أن يتعارض صريح القرآن الكريم مع الواقع أبداً , وأنه إذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة , فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة له , وإما أن يكون القرآن الكريم غير صريح في معارضته , لأن صريح القرآن الكريم وحقيقة الواقع كلاهما قطعي , ولا يمكن تعارض القطعيين أبداً .
فإذا تبين ذلك بواسطة الآلات الدقيقة للكشف عما في الأرحام , والعلم بكونه ذكرا أو أنثى فإنه لا يعارض الآية , حيث إن الآية تدل على أمر غيبي وهو متعلق علم الله تعالى في هذه الأمور الخمسة, والأمور الغيبية في حال الجنين هي : مقدار مدته في بطن أمه, وحياته, وعمله, ورزقه, وشقاوته أو سعادته, وكونه ذكراً أم أنثى, قبل أن يُخلًّق, أما بعد أن يخلق فليس العلم بذكورته, أو أنوثته من علم الغيب , لأنه بتخليقه صار من علم الشهادة إلا أنه مستتر في الظلمات الثلاثة, التي لو أزيلت لتبين أمره, ولا يبعد أن يكون فيما خلق الله تعالى من الأشعة أشعة قوية تخترق هذه الظلمات حتى يتبين الجنين ذكراً أم أنثى. وليس في الآية تصريح بذكر العلم بالذكورة والأنوثة, وكذلك لم تأت السنة يذلك.

وأما ما نقله السائل عن ابن جرير عن مجاهد أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم, عما تلد امرأته, فأنزل الله الآية. فالمنقول هذا منقطع لأن مجاهداً رحمه الله من التابعين.

وأما تفسير قتادة رحمه الله فيمكن أن يحمل على أن اختصاص الله تعالى بعلمه ذلك إذا كان لم يُخلًّق , أما بعد أن يخلق فقد يعلمه غيره. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير آية لقمان : وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه, ولكن إذا أمر بكونه ذكراً أو أنثى أو شقياً أو سعيداً علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه. ا. هـ
وأما سؤالكم عن المخصص لعموم قوله تعالى (ما في الأرحام). فنقول : إن كانت الآية تتناول الذكورة والأنوثة بعد التخليق فالمخصص الحس والواقع, وقد ذكر علماء الأصول أن المخصصات لعموم الكتاب والسنة إما النص أو الإجماع أو القياس أو الحس أو العقل وكلامهم في ذلك معروف.
وإذا كانت الآية لا تتناول ما بعد التخليق وإنما يراد بها ما قبله, فليس فيها ما يتعارض ما قيل من العلم بذكورة الجنين وأنوثة .انتـهى

ويقول الشيخ عطية صقر من كبار علماء الأزهر :

يقول الله تعالى: ( اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى ومَا تَغيضُ الأرْحامُ ومَا تَزدادُ وكلُّ شَيءٍ عنده بِمقدارٍ ) ( سورة الرعد : 8 )، ويقول: ( إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا فِي الأرْحامِ ) ( سورة لقمان : 34 ) .
لا يتنافَى علم البشر بنوع الجَنين في بطن أمِّه مع علم الله بما في الأرحام، وذلك لأربعة أمور:

أوّلها : أن الله يعلم ذلك قبل أن يتخلّق الجنين ، أي قبل أن تتلقّح بويضة الأنثى بماء الذَّكر، إلى أن يولَدَ، بل قبل أن يكون هناك الزّواج بين الرّجل والمرأة، والطِّبُّ لا يعرف ذلك إلا بعد إخصاب البُويضة بزمن يمكنهم فيه الفحص والاستدلال، وما يقال: إنّهم يعرفون ذلك قبل الإخصاب بفحص ماء الرجل ومعرفة الكُروموسومات الغالبة فيه، فإن هناك عوامل أخرى لا يستطيع العلم التحكُّم فيها، وكلها تحت إرادة الله سبحانه، وما يَستنبطونَه مقدّمًا فهو لا يعدو مرحلة الظَّنِّ والتَّخمين.

ثانيها: أنَّ عِلم الله بنوع الجنين علم حقيقي لا يتخلَّف ، وعلم العلماء بذلك علم ظنِّي قد يتخلّف، وبخاصّة في الأيّام الأولى للحمل.
ثالثهما: أنَّ علم الله بالجَنين علم شامل لنوعه ورِزقه وأجله وسعادَته وشقائه
، وذلك غير مُستطاع إلا لله سبحانه تعالى، الذي قَدَّر كل شيء قبل أن يخلُقَه.

رابعها: أن علم الله لا يسبِقه جهلٌ، وعلم غيره مسبوق بالجهل.

وبهذه الأمور وغيرها يظَلُّ علم الله سبحانه في قدسيّته وشموله وصِدقه لا يُدانيه فيه مخلوق من مخلوقاته. قال تعالى: ( وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ ) ( سورة الأنعام : 59 )، وقد بين الحديث هذه المَفاتح بقوله تعالى: ( إنَّ اللهَ عِندَه عِلم السّاعةِ…) كما رواه البخاري فعلمها قاصر عليه وحده ” لا يَعلَمُها إلاّ هُوَ ” وذلك على الوجه المُبين فيما تقدّم.

والله أعلم