السؤال:

ما ماهية الحساب الجاري ؟ وما التكييف الفقهي له ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الحساب الجاري وديعة يودعها المودع في البنك دون أن يكون له مقابل منها، ويحق له أن يصرفها أو جزءا منها في أي وقت، ويجوز للبنك التصرف فيها مع ضمانها، بمعنى أن البنك لا يضعها عنده دون استثمار، بل يدخلها في حساباته.

وقد اختلف تكييف الفقهاء المعاصرين للحساب الجاري ،على النحو التالي:
الحساب الجاري هو قرض حسن للبنك .
الحساب الجاري هو وديعة وأمانة لدى البنك .
الحساب الجاري وديعة في قيمة المال لا في عينه.

والحساب الجاري مباح شرعا ، والأولى وضعه في بنك إسلامي، لا في بنك ربوي، لأن البنك الربوي يستفيد من وضع الحساب الجاري عنده، في تنشيط العمليات الربوية.

و التكييف القانوني للودائع هو القرض، وهو جائز شرعًا، إذا كان خاليًا من الربا، كما في الودائع الجارية، لكن الودائع الاستثمارية والادخارية لا تخلو من الربا.
ولذلك استطاعت البنوك الإسلامية أن تخرج من هذه الحرمة بأحد شيئين ؛ إما أن تكون هذه الوديعة من النوع الأول وهو الحساب الجاري، أو تتحول الوديعة إلى نوع آخر من أنواع الاستثمار كالمرابحة، أو المضاربة، أو غيرهما.

وقد جاء في فتوى لبيت الزكاة الكويتي ما نصه:

الحساب الجاري وديعة تحت الطلب لا تدخل في الاستثمارات ولا يلحقها ربح أو خسارة فهو قرض حسن حال من المودع للمصرف الإسلامي يحافظ عليه ويقدمه للعميل عند طلبه، وهو مضمون الرد أو رد المثل .
ولا يحتاج المصرف إلى أخذ تفويض من المودع باستثمار هذه الأموال الموجودة في الحسابات الجارية، فما دامت قرضا فهي في ضمان المصرف ومملوكة له وللمودع صاحب الحساب الجاري في ذمة المصرف المثل، ولا يتحمل المودع أية مخاطرة، لذلك لا يأخذ صاحب الحساب الجاري ربحا، ولا يتحمل خسارة .انتهى

ويقول الشيخ مكارم الشيرازي من فقهاء الشيعة في كتابه الربا والبنك الإسلامي:

إنّ هناك ثلاث احتمالات في ماهية الحساب الجاري:
الأوّل: ماهيّة الحساب الجاري هي ماهيّة القرض، يعني أنّه نوع من أنواع القرض من قبل أصحاب الأموال للبنوك، وليس فيه مدّة معينة، ويصطلح عليه (الدّيْن المطالب)، مثلا أن تقرض شخصاً مائة ألف درهم، وتشترط عليه أنّك متى ما أردت هذا المال وبأيّ مقدار منه، فلك الحق في أن تطالبه بذلك، ويجب عليه تسديده في الوقت الذي تريد، وطبقاً لهذا الاحتمال يكون الحساب الجاري نوعاً من القرض بدون مدّة معلومة.

الثـاني: إنّ الحساب الجاري في الواقع وديعة وأمانة من قبل النّاس لدى البنوك، يعني أنّ صاحب الحساب يضع أمواله بعنوان أمانة لدى البنك، وله أن يأخذ أيّ مقدار منها متى شاء، غاية الأمر أنّه يأذن في التّصرف للبنك في هذه الأموال وتبديلها، وعلى هذا الأساس تكون ماهيّة الحساب الجاري في حقيقتها هي ماهيّة الأمانة والوديعة المقارنة مع الوكالة في التّغيير والتّبديل.
وهذه النّظريّة أقرب إلى تصوّر العرف العام لمفهوم الحساب الجاري، فإنّهم يرونه كالأمانة لدى البنك.

الثـالث: أن تكون ماهيّة الحساب الجاري، هي ماهيّة الوديعة، لكن لا الوديعة في عين المال، بل الوديعة (في قيمة المال) يعني أنّ الشّخص عندما يودع مائة ألف درهم مثلا عند البنك، فإنّه لا يودع عين هذا المال بعنوان أمانة ووديعة، حتى يكون البنك ملزماً بحفظ وادخار معادل هذا المال لديه، بل إنه يودع قيمته لدى البنك، وفي هذه الصّورة لا يواجه البنك مشكلة شرعيّة، فيما إذا لم يدّخر بمقدار مطالبات النّاس.

وإذا أردنا استجلاء النتيجة من هذه الاحتمالات الثّلاثة، أمكن القول بأنّ الاحتمال الثّاني أقرب الاحتمالات لمعنى الحساب الجاري، وهو أنّ ماهيّة الحساب الجاري بمثابة الوديعة والأمانة مع توكيل البنك في التّغيير والتّبديل والتّصرّف، وطبعاً هذا المعنى يماثل القرض في النّتائج، ولكنّ المهم أنّنا إذا قبلنا كل من الاحتمالات الثّلاثة المذكورة للحساب الجاري، فإنّ هذا العمل يكون في عرف العقلاء عملا منطقيّاً ولا إشكال فيه شرعاً.

والله أعلم