السؤال:

ما مدى نجاح تجربة المصارف الإسلامية، وهل تَتَوَقَّعُون لهذه التجارِب الثباتَ والاستمرار؟

الجواب:

،بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :
تَجْرِبة المصارف الإسلامية تجربة تَسْتَحِقُّ التنويه والتشجيع والتأييد؛ ولا شك؛ فقد نَقَلَتْنا من الميدان النظري إلى الميدان التطبيقي. وبعد أن كان يُقال: إنه يستحيل أن يُقام اقتصاد إسلامي بلا بنوك، ويستحيل أن تقوم بنوك بلا فوائد، (والفوائد هي الربا) أصبح الناس يَشْهَدُون بأعيُنِهم قيام هذه المُؤَسَّسات المالية والمَصْرَفِية على غير الربا. لقد مضى وقت على المسلمين في هذا العصر، حاول بعضهم ـ تحت تأثير الهزيمة النفسية أمام حضارة الغرب وأَنْظِمَتِه ـ أن يَلْوِيَ أعناق النصوص الإسلامية ليُبِيح الربا، ويُبَرِّرَه بأسانيد شَرْعِيَّة مُفْتَعَلة.. ثم جاء عصر انتصر الاتِّجاه الأصيل القائل بأن الرِّبا حرام، حرام، حرام، ولابد من إيجاد بديل للمُؤَسَّسات الرِّبَوِية.

ثم جاء عصر إيجاد البَدائل على الوَرَق إلى حَيِّز الواقع، وقام أول بنك إسلامي في (دبي) منذ نحو تِسْع سَنَوَات، تَلَتْه بنوك أخرى في عَدَد من البُلْدان الإسلامية.

وقد استطاعت هذه المصارِف الإسلامية أن تُعِيد للمسلمين ثقتهم بينهم وبين أنفسهم، وأن تَفْتَح لهم أبوابًا للاستثمار كانتْ مُهْمَلة، مثل المُشارَكة والمُضارَبة والمُرابَحة، وهَيَّأَت للكثيرين من أفراد المسلمين أن يُودِعُوا أموالهم لتُستَثْمَر في الحلال، وهيَّأت للكثير من أصحاب المشروعات أن يَجِدوا التمويل اللازم لمشروعاتهم بطريقة بعيدة عمَّا حرَّم الله.

ولا نَدَّعِي ـ كمَّا لا تَدَّعِي المصارف الإسلامية نفسها ـ أنها وَصَلَتْ إلى درجة الكَمال؛ فهي لا تَزال في أول الطريق، وهي لا تَمْلِك إلا مساحة ضئيلة جدًّا ممَّا تَمْلِكُه البنوك الرِّبَوِية، وهي
دائمة العمل على تطوير نفسها وتحسين أدائها من عِدَّة أوجُه:
1ـ من ناحية إعداد العناصر البشرية التي تَجْمَع بين الالتزام الإسلامي في الخُلُق والسلوك والفَهْم لأحكام الشريعة، وبين الخِبْرة المالية والمَصْرِفِيَّة والإدارية، وهذا أمر في غاية الأهمية، وينبغي أن يَتَعَاوَن عليه كل مَنْ يَهُمُّه أمر الإسلام عامة، والاقتصاد الإسلامي ومُؤَسَّساته خاصة.

2ـ من ناحية الخُروج من بعض الأُطُر التي بَدَأَتْ بها المصارف الإسلامية لاعتبارات معروفة، مثل “توفير الرِّبح للمُودِعِين “، واحتلَّتْ مساحة كبيرة من نَشاطِها، مثل “بيع المرابحة” الذي لا أَشُكُّ في جوازه، وقد ألَّفتُ في ذلك كتابًا خاصًّا. ولكن يَحْسُن بالمصارف الإسلامية أن تَخْرُج إلى ميادين التنمية المُخْتَلِفة في المجتمعات الإسلامية والاتِّجاه إلى المشروعات الطويلة الأجل، التي قد لا تُعْطِي مردودًا للمساهمين فيها إلا بعد مدة.

3ـ من ناحية التعاوُن فيما بين المصارف الإسلامية على ما فيه مصلحتها جميعًا، والوُقوف في وجه المَكايد التي قد تُدَبَّر لها، وهذا ما يَتَمَثَّل اليوم في مجلس اتِّحاد المصارف الإسلامية، الذي بدأ يُفَكِّر في مشروعات جماعية كبيرة مثل “المصرف الإسلامي العالَمِي” الذي يُرْجَى أن يُؤَسَّس برأس مال قَدْرُه (500 مليون دولار) للقيام بالمشروعات الطويلة المدى. ويَتْبَع هذا المجلس هيئه عُلْيا للفَتْوى والرِّقابة الشرعية، من مجموعة مِن عُلَماء العالَم الإسلامي. وبهذا أقول: إن التجربة ـ والحمد لله ـ راسخة القَدَم، مُصَمِّمة على الاستمرار في المسيرة. ماضية في دَرْب التطوير والتحسين بعزم صادق وإرادة لا تَلِين. ومَنْ سَار على الدرْب وَصَل، وإذا صدَق العَزْمُ وَضَح السبيل.

والله أعلم