السؤال:

بدأت الإجازة والنفوس تشتاق إلى استغلالها بما يُرضي الله-عز وجل- فما هي وصيتكم في ذلك ، وما واجبنا في الإجازة الصيفية..؟ بارك الله فيكم

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

فالإجازة الصيفية جزء مهم من عمر الإنسان، يخرج فيه من ضيق وقت الحياة إلى سعة من فسحتها، لذا وجب على الإنسان أن يستثمر هذه الإجازة في طاعة الله تعالى وفي تحصيل العلم النافع، ومرافقة الصالحين ، وبر الوالدين ، والاجتهاد في السياحة في الأرض بما شرع الله تعالى، أو زيارة بيته الكريم بعمل عمرة ، وغير ذلك من القربات .

يقول فضيلة الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي المدرس بالمسجد النبوي ذاكرا بعض ما يقضي المسلم فيه أوقات فراغه فيقول:

1- تقوى الله تعالى :

خير ما يوصى به المسلم تقوى الله -عز وجل- ، ومن اتقى الله فإن الله يعصمه ويوفقه ويسدده وإذا أحب الله العبد بارك الله في وقته وبارك الله في عمره والمسلم يخاف من امتداد الأجل ، وطول العمر قد يكون لأمر لا يسر ولا تحمد عقباه ، ومن هنا كان من السنة أن يستعيذ العبد من فتنة المحيا وفتنة الممات فكم من إنسان أمل الحياة والبقاء إلى زمان لا خير فيه بكت فيه عيناه وتقَّرح فيه قلبه ورأى فيه من شدائد الفتن والمحن ما الله به عليم .

2- طاعة الله تعالى :

خير ما تنفد فيه الأعمار ويمضي عليه الليل والنهار طاعة الله -سبحانه وتعالى- ومحبته والسعي فيما يرضيه ،وهذا هو المقصود من وجود الخلق :”وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ** مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِي”. فخير ما يُنفق فيه عمر الإنسان طاعة الله-عز وجل- التي من أجَّلها وأحبها كثرة الصلوات ، فالإنسان خلال الدراسة وأوقات الشغل قد لا يتيسر له أن يعبد الله وأن يستكثر من الطاعة والنوافل فحبذا لو تكون العطلة وسيلة للتعود على قيام الليل وصيام النهار وكثرة تلاوة القرآن فإن المسلم ينبغي له أن يغتنم فراغه قبل شغله ، وإذا لم يتمكن في مثل هذه الأوقات الفارغة من استغلالها في طاعة الله فمتى يستنفذ عمره في طاعة الله ويستنفذ أجله في مرضاة الله-سبحانه وتعالى-فيحرص طالب العلم الموفق وكذلك الإنسان السعيد على أن يهيئ من هذه العطلة مدرسة لطاعة الله-جل علا- أعرف من طلاب العلم من كان إذا جاءته العطلة لا يمكن أن تمر عليه ثلاث ليال إلا وهو خاتم لكتاب الله-عز وجل- ، ومنهم من يأخذ على نفسه ألا تمر عليه هذه العطلة وقد فاته صيام الاثنين والخميس أو فاته صيام الأيام البيض ؛ لأنه قد يكون مشغولاً أيام الدراسة عن فعل ذلك بسبب ما يكون من الإرهاق والتعب فينبغي على الإنسان في مثل هذه المواسم أن يعودَّ نفسه على الطاعة والبر حتى إذا جاءت مواسم الشغل وعدم الفراغ ألف الخير وأحبه ، والله-عز وجل- إذا شرح العبد للخيرات والباقيات الصالحات أحبه وأدناه ويسر له الطاعة حتى في أوقات الشغل فمن بذل لله أوقات الفراغ في طاعته ومحبته ومرضاته ربما ثبَّت الله قلبه على الخير فجاءت مواسم الشغل وأيام الشغل وهو ثابت على الطاعة لا يمكن أن يتركها ويدعها .

3- طلب العلم النافع :

و خير ما تنفق فيه الأعمار وأحب ما يمضي فيه الليل والنهار طلب العلم ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال : ( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة ) فأنت طالب علم ما جلست في مجالس العلماء وذاكرت طلاب العلم والفضلاء ، وأنت طالب علم ما فتحت كتاباً تستفيد منه حكمةً أو تقرأ فيه أية أو يُشرح لك فيه حديث من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنت طالب علم ما أمضيت ليلك ونهارك في تقليب الصفحات ، ومعرفة ما دلت عليه الآيات البينات وكنت تخوض في هذه الرحمات ، فخير ما أنُفق فيه الليل والنهار وانقضت فيه الأعمار طلب العلم ، وطلب العلم رحمة من الله -سبحانه وتعالى- ومنَّة وفضيلة إذا اصطفى الله-عز وجل – لها العبد فقد اختاره لخير الدنيا والآخرة قال -صلى الله عليه وسلم- : ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ، وقال-صلى الله عليه وسلم- : ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فإذا رأيت العبد يحب العلماء ويحب مجالس العلماء ويحب أن يغشى حلق الذكر ويحب أن يستمع آية تدله على خير أو تنهاه عن شر ويحب أن يعرف ما الذي أمر الله به فيفعله وما الذي نهى الله عنه فيجتنبه فاعلم أن الله يحبه وأن الله يريد له الخير ، وليس للإنسان قدر عند الله-عز وجل – إلا بهذا الدين وأعلى الناس قدراً في هذا الدين بعد الأنبياء هم العلماء العاملون الأئمة المهديون -جعلنا الله وإياكم منهم بمنه وكرمه هو أرحم الراحمين.

4- بر الوالدين :

كذلك أيضاً من أحب ما أنفقت فيها الأيام والليالي بر الوالدين فإن المسلم يحرص في هذه العطلة على السفر للوالدين وزيارة الوالدين وإدخال السرور على الوالدين قال : ” يا رسول الله أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد” قال : ( أحية أمك ؟!قال : نعم .قال : أتريد الجنة قال : نعم.قال : الزم رجلها فإنَّ الجنة ثَمَ) ( وهذا عندما يكون الجهاد فرض كفاية لا فرض عين ) يسافر الإنسان إلى والديه ويدخل السرور إليهما ويقضي حوائجهما ويستغل هذه الفترة من الفراغ في القرب من الوالدين وإذا كان الوالدان في مدينة الإنسان نفسها فإنه يحرص أثناء العطلة على أنه لا يعلم حاجة لوالديه إلا قضاها ، ولا يعلم شيئاً يدخل السرور على والديه إلا فعله وتقدم بر الوالدين بعد أوامر الله وما أمرك الله من الواجبات والفرائض لا تقدم على بر الوالدين شيئاً وتحرص على القرب منهما ولو فاتك الأصحاب والأحباب ولو فاتتك الزيارات والسفرات تحرص على إرضاء الآباء والأمهات فذلك خير لك في الدين والدنيا ، وفي الممات فما بر عبد والديه إلا أسعده الله ببره .

5- زيارة الأقارب:

كذلك أيضاً خير ما تنفق فيه هذه العطلة زيارة الأقارب من الأعمام والعمات والأخوال والخالات ، فعندما تخرج إلى قرابتك يُنسأ لك في أثرك ويبسط لك في رزقك ويزاد لك في عمرك ، وتنال مرضاة الله ، فهي الرحم من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله ويا لها من سفرة طيبة كريمة حينما تخرج من بيتك وأنت تريد أن تصل ذا الرحم تصله لله وفي الله معك أبناؤك وبناتك إلى عمة أو خالة تُدخل السرور عليها وتعلم أن عندها حاجة فتقضيها أو تصلها بمال أو دنيا حتى يبارك الله لك في عمرك ويبارك الله لك فيما يكون من رزقك وما يحصل لك من عيشك .

6- مجالسة الصالحين :

كذلك أيضاً خير ما تنفق فيه هذه العطل الجلوس مع الصالحين وزيارة الأخيار المتقين خرج رجل من قرية إلي أخ له في الله يزوره فأرسل الله له ملكاً على مدرجته وطريقه فسأله إلى أين ذاهب فقال إلى هذه القرية قال : ( ومالك فيها؟؟ قال: إن لي فيها أخاً في الله قال : هل لك عليه من نعمة تربها عليه قال لا إلا أنه أخي في الله فقال : إني رسول الله إليك أن الله قد غفر لك بممشاك إليه ) فمن خير ما تنفق فيه هذه العطلة زيارة الصالحين وزيارة العلماء ومجالستهم مع رعاية حرمتهم ومناسبة الأوقات لزيارتهم ونحو ذلك مما يشتمل فيه خير الدين من سؤالهم عن الأمور التي يحتاجها الإنسان في صلاح دينه ودنياه وأخراه فإن الله يجل من عبده أن يخرج من بيته لزيارة عالم يستفيد من علمه أو ورع يستفيد من ورعه وتقواه فذلك خير ينال الإنسان بركته وفضله في دينه ودنياه وآخرته .

7- السفر للطاعات :

كذلك السفر في الطاعات كالسفر للعمرة خاصة مع اصطحاب الأبناء والبنات ونحوهم من القرابات كالإخوان والأخوات ومما يوصى به المسلم في هذه العطلة التوسعة على الأهل والتوسعة على الأبناء والبنات وإدخال السرور عليهم في حدود المباح فالإسلام دين فيه خير للعباد في دينهم ودنياهم وآخرتهم فالناس في مثل هذه العطل يحتاجون إلى شيء من إدخال السرور عليهم فإذا كان الإنسان في بيت مع أهله وولده يحرص على إدخال السرور عليهم وزيارة الأماكن التي لا يقع فيها في فتنة أو يأخذهم إلى عمره أو يأخذهم إلى شيء يعود عليهم بخير الدين والدنيا والآخرة .

والله أعلم .