السؤال:

يقال إن الإسلام دين يدعو إلى العُنف، ويقاوم السلام، فما مبلغ هذا القول من الحقيقة أو الخطأ؟

الجواب:

بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:

لم تعرف البشرية دينا اشتهر بالسلام كما اشتهر الإسلام ،فالتحية بين أهله السلام ، والجنة دار السلام ،كما أنه أتى ليحافظ على النفس البشرية من أي ضرر،ولكنه في ذات الوقت لا يرضى الخنوع والذل ،وقد شرع الجهاد دفاعا عن النفس ،فإن انتهى الأعداء عن الاعتداء ،فالمنهج الذي بيننا وبينهم قائم على احترام الحقوق ونشر السلام .

يقول الدكتور أحمد الشرباصي الأستاذ بجامعة الأزهر رحمه الله

هناك أكاذيب كثيرة ومفتريات عديدة، توجه إلى الإسلام والإسلام منها بريء، ومن بين هذه المفتريات القول بأن الإسلام يدعو إلى العنف، ويقاوم دعوة السلام، مع أن الإسلام هو أكثر الأديان دعوة إلى السلام، وحثًّا عليه، وتحبيبًا فيه، ويكفي للتدليل على ذلك بصفة مبدئية أن اللـَّه ـ تبارك وتعالى ـ جعل من بين أسمائه اسم “السلام” للتذكير بأنه مصدر السلام، والداعي إلى السلام، والمحبِّب في السلام.

وقد جعل الإسلام التحية المتبادلة بين أبنائه وأتباعه هي عبارة “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”، وجعل ختام كل صلاة من الصلوات التي تتكرر كل يوم عدة مرات هي عبارة “السلام عليكم ورحمة الله” يقولها المصلي عند ختام الصلاة عن يمينه وشماله. وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم وجدنا فيه الحديث المتكرر والمتأكد عن التحبيب في السلام، والدعوة إليه، فيقول القرآن الكريم: (واللهُ يدعو إلى دارِ السلامِ ويَهدي مَنْ يشاءُ إلى صِراطٍ مُستقيمٍ)0 (يونس: 25)، ويقول عن العباد الأبرار الأتقياء: (لهمْ دارُ السلامِ عند رَبِّهِمْ) 0(الأنعام: 127). ويجعل القرآن تحية المؤمنين في العالم الآخر هي تحية السلام، فيقول: (تَحِيَّتُهْم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ) (الأحزاب: 44). ويُخبرنا بأن الملائكة إذا دخلوا على المؤمنين في جنات النعيم ألْقَوْا على المؤمنين تحية السلام، فيقول القرآن الكريم: (والملائكةُ يَدخلونَ عليهم مِن كلِّ بابٍ سلامٌ عليكمْ بما صبرتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدارِ).(الرعد: 24).

والإسلام لم يَشرعِ الحربَ إلا دفاعًا عن النفس، وصدًّا لهجوم الأعداء وطلبًا لتحرير المكان أو الإنسان من المحتلِّين والمستغلين والمستعمرين، فقال القرآن الكريم: (أُذِنَ للذينَ يُقاتَلُونَ بأنهمْ ظُلِمُوا وإنَّ اللهَ على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)0 (الحج: 39). ويقول: (فَمَنِ اعْتَدَى عليكمْ فاعْتَدُوا عليهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عليكمْ).(البقرة: 194). وقال: (فلا عُدْوَانَ إلاَّ على الظالمينَ). (البقرة: 193). وقال: (وقاتلُوا في سبيلِ اللهِ الذينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ). (البقرة: 190).

والإسلام يُقَرِّرُ أن المؤمنين يأخذون بأسلوب السلام إذا انتهى عدوُّهم عن العدوان، وقَبِلَ مبدأ السلام القائم على العدل والحق والإنصاف، ورد الحقوق إلى أصحابها، ولذلك يقول القرآن الكريم: (وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لها وتَوَكَّلْ على اللهِ إنَّهُ هُوَ السميعُ العليمُ). (الأنفال: 61).

ويُقرر الإسلام أن القتال إنما يكون أيضًا للدفاع عن المهضومين المظلومين، فيقول القرآن في سورة النساء: (وما لكمْ لا تُقاتلونَ في سبيلِ الله والمُستضْعَفِينَ مِنَ الرجالِ والنساءِ والوِلْدَانِ الذين يقولون ربنا أخْرِجْنَا مِنْ هذه القريةِ الظالِمِ أَهْلُهَا واجعلْ لنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا واجعلْ لنا مِنْ
لَدُنْكَ نَصِيرًا . الذينَ آمنوا يُقاتِلُونَ في سبيلِ اللهِ والذينَ كفروا يُقاتلونَ سبيلِ الطاغُوتِ فقَاتِلُوا أولياءَ الشيطانِ إنَّ كَيْدَ الشيطانِ كانَ ضَعِيفًا). (الآيتان : 75-76).

وهناك في الإسلام نصوص كثيرة تؤكد أنه دين السلام والمحبة والأخوة الإنسانية، فالقرآن يقول: (يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا ربَّكم الذي خلقَكمْ مِنْ نفْسٍ واحدةٍ وخَلَقَ منها زوجَهَا وبَثَّ منهما رِجالاً كثيرًا ونِسَاءً). (النساء 1). ويقول: (يا أيُّها الناسُ إنَّا خلقْناكمْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثَى وجعلناكمْ شُعُوبًا وقبائلَ لِتَعَارَفُوا). (الحجرات: 13). وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “خيرالناس أنفعُهم للناس”. وقال: “المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويَدِه، والمؤمن من أَمِنَ الناسُ بَوَائِقَهُ”. أي أَمِنُوا أن يُصِيبَهُم شَرٌّ من جهته.

وقد ذكر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديثٍ له أن من فضائل الأعمال الأساسية
الفاضلة في الإسلام: “بذل السلام للعالم”.
وهكذا نرى أن الإسلام دين سلامٍ وأمان، لا دينَ عُنْفٍ أو عدوان.

والله أعلم.