السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم ورد في سورة الحج أية (18) سجود الدواب فما هي كيفية هذا السجود ؟وهل هو مثل سجود بني آدم أم يختلف ؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
قد أخبرنا الله في القرآن الكريم في أكثر من آية كريمة أن جميع المخلوقات تسجد لله ، فقال تعالى : (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً) ، وهذا السجود عبادة من كل المخلوقات في الكون لله تعالى ، وهو سجود يليق بحال كل مخلوق من هذه المخلوقات .
والمؤمن يؤمن بهذا السجود وإن لم يقف على حقيقته .

 

يقول الشيخ محمد صالح المنجد من علماء المملكة العربية السعودية :

 
اعلم أن هذا الكون بكل ما فيه من مخلوقات هي معبدة لله إما اختيارا أو إكراها .. فالمؤمن يعبد الله اختيارا ، ويثاب على عبادته سبحانه .والكافر وإن كان شاردا عن ربه تاركا لعبادته فذرات جسده وكل ما فيه يعبده سبحانه وتعالى بل ويسبحه عز وجل لكننا بقصور عقلنا وحواسنا لا نشعر بهذا التسبيح ولا نعقله ، يقول تعالى: ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) الإسراء / 44 ، والمقصود أن كل مخلوق فهو خاضع لله عابد له عبادة لائقة بحاله ووضعه ، فالشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب كلها خاضعة لله تسبحه سبحانه وتعالى، وتسجد له ولكل واحد منها عبوديتها اللائقة بها لله عز وجل ، يقول تعالى : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) الحج /18 ، ويقول تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ*وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) النحل/ 48-49

 
يقول الإمام ابن كثير : ( يخبر الله تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها ؛ جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال أي: بكرة وعشيا فإنه ساجد لله تعالى . قال مجاهد : إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله عز وجل ).

 

فأثبت سبحانه وتعالى السجود لكل الكائنات وبيَّن كيفية سجود بعضها وهو بفيء ظلالها ذات اليمين والشمال ، ولا يلزم أن يكون سجودها على سبعة أعضاء إذ هذا خاص بالمسلمين ، أمَّا سجود بقية الكائنات فهو في كل مخلوق بحسبه ، يؤكد أن هذا السجود يراد به حقيقة السجود أنه ظاهر النص أولا فإذا لم يرد مانع صحيح من حمل الآية على هذا الظاهر وجب الأخذ به ، يؤكده كذلك أن عطف سجود الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب على سجود الملائكة والبشر يدل على حقيقة هذا السجود للكائنات كلها .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : : ( والسجود من جنس القنوت فإن السجود الشامل لجميع المخلوقات هو المتضمن لغاية الخضوع والذل، وكل مخلوق قد تواضع لعظمته وذل لعزته واستسلم لقدرته ولا يجب أن يكون سجود كل شيء مثل سجود الإنسان على سبعة أعضاء ووضع جبهة في رأس مدور على التراب فإن هذا سجود مخصوص من الإنسان ومن الأمم من يركع ولا يسجد وذلك سجودها كما قال تعالى : ( ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ) وإنما قيل ادخلوه ركعا ومنهم من يسجد على جنب كاليهود فالسجود اسم جنس ولكن لما شاع سجود الآدميين المسلمين صار كثير من الناس يظن أن هذا هو سجود كل أحد كما في لفظ القنوت ) جامع الرسائل 1/27.

 
ويقول رحمه الله : (ومعلوم أن سجود كل شيء بحسبه ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض ) مجموع الفتاوى 21/284 ، فمما يدخل في هذا السجود كمال خضوع هذه المخلوقات لله وانقيادها له سبحانه وذلها لربوبيته وعزه وسلطانه ، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : ( وهو سجود الذل والقهر والخضوع فكل أحد خاضع لربوبيته ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه تعالى ) مدارج السالكين 1/107 .

 

 

والله سبحانه هو الأعلم بكيفية هذا السجود فسائر الكائنات كل له سجود يناسبه ويليق به ، فالواجب على المؤمن أن لا يجعل من جهله بكيفية سجود بعض الكائنات مانعا من التصديق والإيمان بهذا السجود بل الواجب عليه الإيمان بما أخبر الله به من سجود الكائنات له سبحانه .

 

والله أعلم