السؤال:

يقول الله تعالي: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس.." الآية 179 من سورة الأعراف . ويقول: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن.. " الآية 112من سورة الأنعام. فلماذا قدم الله سبحانه الجن علي الإنس في الآية الأولي، وقدم الإنس علي الجن في الآية الثانية، وهل هناك تناقض بين الآيتين؟ أرجو الإفادة.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإن الواو في اللغة العربية لا تفيد الترتيب ، بل تفيد مطلق الجمع عند جمهور العلماء ، فيستوي تقديم أحد الجنسين وتأخيره ، ولا تناقض في هذا مطلقا.
ومع هذا فللتقديم والتأخير أسرار هي من إعجاز القرآن الكريم ، ومن ذلك أن الله عز وجل قدم الجن في الحديث عن النار في الأعراف لأنهم أكثر غواية وضلالا وإضلالا ، فمنهم الشياطين والمردة ، وعددهم أكثر ، فناسب ذكرهم أولا.
أما في سورة الأنعام وفي الحديث عن معاداة الأنبياء الذين هم من الإنس فالأنسب تقديم الإنس ، لأنهم أشد في المعاداة الفعلية ، فهم الذين حاربوا الأنبياء بالسلاح ، وهم الذين أخرجوهم ، وقتلوا بعضهم، وأما الجن فلم يستطيعوا ذلك ، وكان يكفي النبي أن يستعيذ بالله منهم فيكفيه شرهم ، وكذلك يكفي المؤمنين.

يقول الدكتور عبد الفتاح عاشور، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر:
ليس في آيات الله اختلاف ولا تناقض ولا تعارض وهذا سر من أسرار إعجاز القرآن العظيم ، وقد قال الله تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )، وما تراه من التقديم والتأخير في الآيتين يجعلنا ننظر ونتساءل هل حقا هناك تقديم للجن علي الإنس في آية الأعراف ، وتقديم للإنس علي الجن في آية الأنعام؟

والجواب : قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن تقول: إن واو العطف لا تفيد تقديما ولا تأخيرا ولا ترتيبا، إنما الذي يفيد ذلك من حروف العطف هو الفاء و” ثم ” ، فأنت إذا قلت جاء محمد وعلي لا تفيد هذه العبارة أكثر من الحكم بمجيئهما، سواء جاءا معا أو جاء محمد أولا وعلي ثانيا أو العكس، وما دام العطف بالواو في الآيتين فهذا معناه إثبات الحكم للجن والإنس كما في الآية الأولي أو الإنس والجن كما في الآية الثانية ، دون أن يترتب علي ذلك ترتيب لأحدهما علي الآخر.

ومع ذلك فإننا نبحث في القرآن في مثل هذه الآيات ونتساءل لماذا ذكر الأول ثم الثاني في موضع والثاني قبل الأول في موضع آخر؟ ولعل الحديث عمن خلقهم الله لجهنم يجعل تقديم الجن في هذا الموضع أولى لأن الشياطين منهم، وفي الإنس الأنبياء والأولياء والجن أكثر عددا وأقدم خلقا، وقد قال الله في سورة الجن علي لسانهم: ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا * وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) .. أما في الأنعام فالحديث عن أعداء أنبياء الله ورسله، فمن أشد عداوة لهؤلاء الأنبياء؟ شياطين الإنس الذين يتفنون في إيذاء الأنبياء وأتباعهم وعداوتهم ظاهرة واضحة ، أما شياطين الجن الذين يوسوسون للقلوب ويمكن دفع وسوستهم بالاستعاذة بالله السميع العليم .

من الواضح أن عداوة شياطين الجن أقوي وأخطر ولهذا قدم ذكرهم علي شياطين الجن.. ولذلك قال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجن وذلك أنه إذا تعوذت بالله ذهب شيطان الجن؛ وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلي المعاصي.

وهناك معني آخر وهو أن المعني: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس التي مع الإنس وشياطين الجن التي مع الجن، فالشياطين كلها من أولاد إبليس، يسلطها علي الإنس كما يسلطها علي الجن فإن الجن منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، فمن الذي يضل الجن فيحتاج هذا الجن إلي الهداية والتذكر؟ إنه الشيطان المسلط عليه كما سلط هذا الشيطان علي بني آدم.

وعلي هذا فلا تعارض بين الآيتين.
والله أعلم.