السؤال:

هل يجوز للمكلّف مس المصحف و قراءة القرآن الكريم بدون وضوء ؟

الجواب:

بسم الله ،والحمد لله ،والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

فيقول الدكتور أحمد عبدالكريم نجيب مدرس الشريعة بكليّة الدراسات الإسلاميّة في سراييفو ، و الأكاديميّة الإسلاميّة في زينتسا

 

اختلف العلماء في حكم مس البالغ حال تلبُّسه بالحدث الأصغر ( و هو ما يُرفَع بالوضوء أو التيمم ) للمصحف ، على قولين :

 
القول الأول : أنه لا يجوز له ذلك ، و هو المذهب المنقول عن جمع من الصحابة منهم علي بن أبي طالب ، و عبد الله بن مسعود ، و سعد ابن أبي وقاص ، و عبد الله بن عمر ، و سعيد بن زيد ، و سلمان

الفارسي ، وغيرهم ، و لا يعرف لهم مخالف ، و قال به جمهور التابعين و منهم : عطاء بن أبي رباح ، و ابن شهاب الزهري ، و الحسن البصري ،و طاووس بن كيسـان ، و النخعي ، و الفقهاء السبعة ،

و هو مذهب الأئمة الأربعة .

 

القول الثاني : أنه يجوز له مس القرآن ، و إليه ذَهَب بعض التابعين ، و هو مذهب الظاهرية .

 
و الراجح عدم جواز مس المصحف للبالغ المُحدِث حَدَثاً أصغ ، و ذلك للأدلّة التالية :

 
أولاً : قال الله عز وجل : ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين ) [الواقعة : 77-80] .
و قد جاءت الآية بصيغة الحصر فاقتضى ذلك حصر الجواز في المطهرين من الأحداث والأنجاس من بني آدم .
والأصل في الطهارة المطلقة في العرف الشرعي : هي الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر ، و هذا ما فهمه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ،

ولم يحفظ عن أحد منهم – فيما نعلم – أنه مس المصحف و هو على غير طهارة ، أو قال بجوازه .

 

ثانيًا : روى الدارقطني و البيهقي و الحاكم بإسناد صححه و وافقه الذهبي عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : ( لما بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى اليمن قال : (لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) .

 
ثالثاً : روى الدارقطني و الهيثمي في المجمع و الطبراني في الكبير بإسناد وثَّقا رجالَه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( لا يمس القرآن إلا طاهر ) ، و جوّد

إسناد هذا الحديث ابن حجَر في الفتح ، و نقل تصحيح إسناده عن بعض أهل العلم ( في إعلاء السنن ) .

 
رابعاً : روى أبو داود في ( المصاحف ) ، و الهيثمي في مجمع الزوائـد ، و عزا إلى معجم الطبراني الكبير عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال : وفدنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم

فوجدوني أفضلهم أخذًا للقرآن ، و قد فَضَلتُهم بسورة البقرة ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ( قد أمّرتُك على أصحابك و أنت أصغرهم ، و لا تمس القرآن إلا و أنت طاهر ) .

 
خامساً : روى عبد الرزاق في مصنفه ، و مالك في موطئه ، وأبو داود في المصاحف ، و الدارمي في سننه ، و الحاكم في مستدركه ، و الدارقطني و البيهقي كلٌّ في سننه ،

عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال : كان في كتاب النبي صلى الله عليه و سلم لعمرو بن حزم : ( لا يُمَسُّ القرآنُ إلا على طُهرٍ ) ، قال البغوي : سمعت أحمد بن

حنبل ، وقد سُئل عن هذا الحديث فقال : أرجو أن يكون صحيحًا ) ، و قال أيضًا : ( لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتبه ) .

 

 

و الأحاديث الدالّة على تحريم مس المصحف على المحدث لا يخلو إسناد كلٍ منها بمفرده من مقال إلا أنها بمجموع طرقها ترقى في أقل أحوالها إلى درجة الحَسَن ، و يقتضي ذلك صحّة الاحتجاج بها ،

و وجوب العمل بمقتضاها .

 

فإذا أضيف إلى هذه الأدلّة إجماع الصحابة السكوتي على القول بعدم جواز مس المحدث البالغ للمصحف ، لزمنا القول بقولهم و اتبّاع مذهبهم في التحريم ، و هذا مذهب الجمهور ،

 

 

قال شيخ الإسـلام ابن تيمية : ( و أما مس المصحف فالصحيح أنه يجب له الوضوء كقول الجمهـور ) [ مجموع الفتاوى : 21/288 ] .
و ذهب الحافظ ابن عبد البر أبعدَ من ذلك فقال : ( أجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى و على أصحابهم بأن المصحف لا يمسه إلا طاهر ) [ الاستذكار ، 8/10 ] .
والله أعلم