السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله .. من المعروف أن على كل البشر اتباع سنة من أرسل إليهم . فكيف وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليهما السلام ؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله خيرا، وبعد:

فإن الخضر عليه السلام لم يخرج عن شريعة موسى عليه السلام ، ولكن الله تعالى أعطاه من العلم ما لم يعطه لنبيه موسى ، كما أعطى نبيه علما لم يعطه للخضر ، ولما سأل موسى ربه يوما : هل على الأرض من هو أعلم مني ؟ قال نعم ، فسأله عنه فدله الله على الخضر فأتاه ليتعلم منه .

فالخضر لم يخرج عن شريعة موسى عليه السلام ، وإنما عمل بما علمه الله تعالى وألهمه إياه .
ثم إن الخضر هو الذي اشترط على موسى عليهما السلام أن يتبعه ولا يعارضه فيما يرى من أمور يخالف ظاهرها علمه ، فرضي النبي المتواضع بهذا الشرط .

هذا : ولا يجوز لأحد أن يحتج بفعل الخضر عليه السلام ويفعل مثله ، لأن فعله كان استثناء بأمر الله تعالى ، كما قال هو :(وما فعلته عن أمري) ، وعلينا أن نحكم على الأمور بظاهرها ، لأن الحقيقة لا يعلمها إلا الله ، والأنبياء لم يفعلوا مثل ما فعل الخضر ، والله تعالى لم يأمر أحدا منهم بشيء مما فعله الخضر لأنهم قدوة ، والله تعالى لا يريد لنا أن نفعل ذلك .

قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى :
{قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} :
“قال له موسى هل أتبعك” هذا سؤال الملاطف، والمخاطب المستنزل المبالغ في حسن الأدب، المعنى: هل يتفق لك ويخف عليك؟ وهذا كما في الحديث: (هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟…) أ.هـ.

وقال الإمام الطبري :
قال موسى للعالم: {هل أتبعك على أن تعلمن} من العلم الذي علمك الله ما هو رشاد إلى الحق، ودليل على هدى؟
{قال إنك لن تستطيع معي صبرا}
يقول تعالى ذكره: قال العالم: إنك لن تطيق الصبر معي، وذلك أني أعمل بباطن علم علمنيه الله، ولا علم لك إلا بظاهر من الأمور، فلا تصبر على ما ترى من الأفعال. أ.هـ.

ويقول الدكتور محمد على الصابوني ، في “مختصر ابن كثير” :
يخبر تعالى عن قول موسى عليه السلام، لذلك الرجل العالم، وهو الخضر الذي خصه اللّه بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر. {قال له موسى هل أتبعك} سؤال تلطف لا على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم، وقوله {أتبعك} أي أصحبك وأرافقك، {على أن تعلمن مما علمت رشدا} أي مما علمك اللّه شيئاً أسترشد به في أمري من علم نافع، وعمل صالح، فعندها {قال} الخضر لموسى {إنك لن تستطيع معي صبرا} أي إنك لا تقدر على مصاحبتي لما ترى مني من الأفعال التي تخالف شريعتك، لأني على علم من علم اللّه ما علمكه اللّه، وأنت على علم من علم اللّه ما علمنيه اللّه، فكل منا مكلف بأمور من اللّه دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} فأنا أعرف أنك ستنكر عليَّ ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعت على حكمته ومصلحته الباطنة، التي اطلعت أنا عليها دونك، {قال} أي موسى {ستجدني إن شاء اللّه صابرا} أي على ما أرى من أمورك، {ولا أعصي لك أمرا} أي ولا أخالفك في شيء، فعند ذلك شارطه الخضر عليه السلام {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء} أي ابتداء {حتى أحدث لك منه ذكرا} أي حتى أبدأك أنا به، قبل أن تسألني.(انتهى).
والله أعلم.