السؤال:

ما هو الإجماع؟ وما أدلته؟

الجواب:

الإجماع في اللغة :
يراد به تارة العزم ‏,‏ يقال ‏:‏ أجمع فلان كذا ‏,‏ أو أجمع على كذا ‏,‏ إذا عزم عليه وتارة يراد به الاتفاق ‏,‏ فيقال ‏:‏ أجمع القوم على كذا ‏,‏ أي اتفقوا عليه ‏,‏ ونقل عن  الغزالي أنه مشترك لفظي ‏.‏ وقيل إن المعنى الأصلي له العزم ‏,‏ والاتفاق لازم ضروري إذا وقع من جماعة ‏,‏ والإجماع في اصطلاح الأصوليين ‏:‏ اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر ما بعد عصره صلى الله عليه وسلم على أمر شرعي ‏,‏ والمراد بالأمر الشرعي ‏:‏ ما لا يدرك لولا خطاب الشارع ‏,‏ سواء أكان قولا أم فعلا أم اعتقادا أم تقريرا ‏.‏ ‏

‏بيان من ينعقد بهم الإجماع ‏:‏ ‏
‏‏جمهور أهل السنة على أن الإجماع ينعقد باتفاق المجتهدين من الأمة ‏,‏ ولا عبرة باتفاق غيرهم مهما كان مقدار ثقافتهم ‏,‏ ولا بد من اتفاق المجتهدين ولو كانوا أصحاب بدعة إن لم يكفروا ببدعتهم ‏,‏ فإن كفروا بها كالرافضة الغالين فلا يعتد بهم ‏,‏ وأما البدعة غير المكفرة أو الفسق فإن الاعتداد بخلافهم أو عدم الاعتداد فيه خلاف وتفصيل بين الفقهاء والأصوليين .

‏وذهب قوم إلى أن العبرة باتفاق الخلفاء الراشدين فقط ‏,‏ لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ ‏{‏ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ‏,‏ عضوا عليها بالنواجذ ‏}‏ ‏.‏ وهذا خبر آحاد لا يفيد اليقين ‏,‏ وعلى فرض التسليم فإنه يفيد رجحان الاقتداء بهم لا إيجابه ‏,‏ وقال قوم إن الإجماع هو إجماع أهل المدينة دون غيرهم ‏,‏ وهذا ظاهر مذهب مالك فيما كان سبيله النقل والتواتر ‏,‏ كبعض أفعاله صلى الله عليه وسلم كالأذان والإقامة وتحديد الأوقات وتقدير الصاع والمد وغير ذلك مما يعتمد على النقل وحده لا على الاجتهاد ‏,‏ وما سبيله الاجتهاد فلا يعتد عنده بإجماعهم ‏.‏ ‏

‏ما يحتج عليه بالإجماع ‏:‏ ‏
‏‏يحتج بالإجماع على الأمور الدينية التي لا تتوقف حجية الإجماع عليها ‏,‏ سواء أكانت اعتقادية كنفي الشريك عن الله تعالى ‏,‏ أو عملية كالعبادات والمعاملات ‏,‏ وقيل لا أثر للإجماع في العقليات ‏,‏ فإن المعتبر فيها الأدلة القاطعة ‏,‏ فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق ولم يعضدها وفاق ‏.‏ ‏
‏أما ما تتوقف عليه حجية الإجماع ‏,‏ كوجود الباري تعالى ‏,‏ ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يحتج عليه بالإجماع ‏;‏ لئلا يلزم الدور ‏.‏ ‏

‏‏
‏إنكار الإجماع ‏:‏ ‏
‏‏قيل ‏:‏ يكفر منكر حكم الإجماع القطعي ‏,‏ وفصل بعض الأصوليين بين ما كان من ضروريات دين الإسلام ‏,‏ وهو ما يعرفه الخواص والعوام ‏,‏ من غير قبول للتشكيك ‏,‏ كوجوب الصلاة والصوم ‏,‏ وحرمة الزنا والخمر ‏,‏ فيكفر منكره ‏,‏ وبين ما سوى ذلك ‏,‏ فلا يكفر منكره ‏,‏ كالإجماع على بعض دقائق علم المواريث التي قد تخفى على العوام ‏.‏ ‏

‏وفرق فخر الإسلام بين الإجماع القطعي من إجماع الصحابة نصا ‏,‏ كإجماعهم على قتال مانعي الزكاة ‏,‏ أو مع سكوت بعضهم ‏,‏ فيكفر منكره ‏,‏ وبين إجماع غيرهم فيضلل ‏.‏ ‏
‏الإجماع السكوتي ‏:‏ ‏
‏‏يتحقق الإجماع السكوتي إذا أفتى بعض المجتهدين في مسألة اجتهادية ‏,‏ أو قضى ‏,‏ واشتهر ذلك بين أهل عصره ‏,‏ وعرفه جميع من سواه من المجتهدين ‏,‏ ولم يخالفوه ‏,‏ واستمرت الحال على هذا إلى مضي مدة التأمل ‏,‏ وقد ذهب أكثر الحنفية وبعض الشافعية إلى أنه إذا تحقق ذلك فهو إجماع قطعي ‏.‏ وموضع اعتبار سكوتهم إجماعا إنما هو قبل استقرار المذاهب ‏,‏ وأما بعد استقرارها فلا يعتبر السكوت إجماعا ‏;‏ لأنه لا وجه للإنكار على صاحب مذهب في ‏‏ العمل على موجب مذهبه ‏,‏ وذهب أبو هاشم الجبائي إلى أنه حجة وليس إجماعا ‏.‏ ‏

‏وذهب الشافعية إلى أنه ليس بحجة فضلا أن يكون إجماعا ‏,‏ وبه قال ابن أبان والباقلاني وبعض المعتزلة وأكثر المالكية وأبو زيد الدبوسي من الحنفية ‏,‏ والرافعي والنووي من الشافعية ‏.‏ ‏

رتبة الإجماع بين الأدلة ‏:‏ ‏
‏‏بنى بعض الأصوليين على المسألة السابقة تقديم الإجماع على غيره ‏.‏ قال الغزالي ‏:‏ ‏”‏ يجب على المجتهد في كل مسألة أن يرد نظره إلى النفي الأصلي قبل ورود الشرع ‏.‏ ثم يبحث عن الأدلة السمعية ‏,‏ فينظر أول شيء في الإجماع ‏,‏ فإن وجد في المسألة إجماعا ‏,‏ ترك النظر في الكتاب والسنة ‏,‏ فإنهما يقبلان النسخ ‏,‏ والإجماع لا يقبله ‏.‏ فالإجماع على خلاف ما في الكتاب والسنة دليل قاطع على النسخ ‏,‏ إذ لا تجتمع الأمة على الخطأ ‏”‏ ‏.‏ وقد حرر ذلك ابن تيمية فقال ‏”‏ كل من عارض نصا بإجماع ‏,‏ وادعى نسخه ‏,‏ من غير نص يعارض ذلك النص ‏,‏ فإنه مخطئ في ذلك ‏,‏ فإن النصوص لم ينسخ منها شيء إلا بنص باق محفوظ لدى الأمة ‏.‏ ‏”‏ وفي موضع آخر قال ‏”‏ لا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان دليلا على أنه منسوخ ‏,‏ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة ‏,‏ ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له ‏,‏ ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذا حقق الأمر عليه ‏,‏ لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحا ‏,‏ بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعا ‏.‏ ‏”‏ وفي الإجماع تفصيل وخلاف أوسع مما ذكر .