السؤال:

السلام عليكم ،ما هو التفسير الصحيح لحديث النبي (صلَى الله عليه وسلَم): “ما بين المشرق والمغرب قبلة”. فقد قرأت عدة كتب من بينها نيل الأوطار للشوكاني وكتاب فقه السنة للسيد سابق ، وقد أوضحوا أنّ في مسألة القبلة سعة، وما دفعني لذلك هو أن المساجد في مدينتنا مختلفة في اتجاه المحاريب فهل أن الأمر فيه سعة أم أن في ذلك خطأ وإذا كان في مسألة القبلة سعة فما ضوابط الانحراف اليسير والانحراف المبطل للصلاة ؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد …

 
أجمع الفقهاء على أن من شروط صحة الصلاة استقبال القبلة ، فمن كان مشاهداً للقبلة فعليه أن يستقبل عين الكعبة ، أما من كان غير مشاهد لها فيستقبل جهتها، ولا يضر الانحراف اليسير عن القبلة ، أما الانحراف الشديد عن القبلة من شأنه أن يبطل الصلاة .

 
يقول فضيلة المستشار فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء :

 
أولاً: قال الله تعالى: (..فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ..) والشّطر في اللغة: الناحية أو الجهة. وقد أجمع العلماء على أنّ من يشاهد الكعبة فعليه استقبال عينها، وإن ترك استقبال عينها بطلت صلاته وعليه الإعادة. أمّا من كان غائباً عنها – أي أنّه لا يراها كمن هو في بلد آخر – فقد اختلف العلماء فيه: فالحنفيّة والحنابلة والمالكيّة ومعهم جمهور الفقهاء قالوا: يجب عليه أن يستقبل جهتها.

 
وقال الشّافعيّة: يجب عليه أن يستقبل عينها.

 
– وقد رجّح القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن الرأي الأوّل لثلاثة أسباب:

 
1- أنّه هو الممكن الذي يرتبط به التّكليف، لأنّه لو كان واجباً قصد عين الكعبة لكان حرجاً (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).

 
2- أنّه هو المأمور به في القرآن (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ..).

 
3- أنّ الصفّ الطّويل في الصّلاة هو قطعاً أضعاف عرض البيت، ومن كان في آخره فهو يستقبل جهة الكعبة لا عينها، وصلاته صحيحة بالإجماع.

 
– وذكر ابن قدامة في (المغني) (أن الواجب على من بعد من مكّة طلب جهة الكعبة دون إصابة العين، فإن انحرف عن القبلة قليلاً لم يعد. وقال الشّافعي في أحد قوليه مثل قولنا، وفي القول الآخر: الفرض إصابة العين. ولنا قول النّبي (صلَى الله عليه وسلَم) : “ما بين المشرق والمغرب قبلة.” حديث حسن صحيح رواه التّرمذي. وظاهره أنّ جميع ما بينهما قبلة.)

 

 

ثانياً: أما حديث “ما بين المشرق والمغرب قبلة” فقد رواه التّرمذي وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجة، ورواه الحاكم عن ابن عمر مرفوعاً، وقال: حديث صحيح على شرط الشّيخين. ورواه البيهقيّ في السّنن الكبرى، والدار قطني، وله روايات متعدّدة بعضها صحيح، والضّعيف منها يتقوّى بالصّحيح.

 
وقد ذكر التّرمذي أنّ غير واحد من أصحاب النّبيّ (صلَى الله عليه وسلَم) روى عنه “ما بين المشرق والمغرب قبلة” منهم عمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب وابن عبّاس. وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة.

 

 

ثالثاً: في ضوء ما تقدّم أقول:

 
إنّ استقبال المصلّي للقبلة شرط من شروط صحّة الصّلاة بالإجماع. والاستقبال معناه أن تكون القبلة في مواجهة المصلّي، فإذا كانت خلفه أو عن يمينه أو عن شماله وهو يعلم لم تصحّ صلاته. أمّا إذا كانت في الجهة المقابلة له فقد تحقّق الشّرط وصحّت الصّلاة. هذا هو رأي جمهور الفقهاء قديماً وحديثاً، ويؤيّده المعنى اللغوي لكلمة (شطره)، والحديث الصّحيح “ما بين المشرق والمغرب قبلة”.

 

 

إنّ الانحراف المبطل للصّلاة هو الانحراف الذي يكون عندما تصلّي إلى غير جهة الكعبة، كأن تكون الكعبة وراءك، أو عن يمينك أو عن يسارك.

 
أمّا إذا كان الانحراف ضمن نفس الجهة، بحيث تكون الكعبة أمامك ولكنّك لا تصيب عينها بل تتوجّه عن يمينها أو شمالها، فهو انحراف يسير غير مبطل للصّلاة إذا كان بعد البحث والتّحرّي.

 
والله أعلم .