السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أود أن تفيدوني فى شىء وهو أن أحد النصارى يقول : لماذا عندكم فى القران فى سورة الإخلاص يقول الله :{ قل هو الله أحد الله الصمد} صدق الله العظيم.. وهو يقصد هنا: لماذا جاءت أحد نكرة ثم جاءت الصمد معرفة ، وهو يقول : أليس الأجدر أن تاتي معرفة وهى كلمة أحد ..وأنا على يقين بكلام الله ، ولكنى أريد أن أرد عليه بطريقة دينية صحيحة وكذلك لغوية لأنى أعلم أن الصحيح هو كلام الله وأرجو أن تفيدوني في هذا الموضوع لكي أرد عليه، وهو لماذا جاءت أحد فى سورة الاخلاص غير معرفة بـ (( ألف ولام )) وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فورود كلمة أحد نكرة ، وكلمة الصمد معرفة إنما استوجبه مقام السورة ، والبلاغة العربية تراعي المقام ، وكما قال العرب قديما : البلاغة هي رعاية المقام ، ولكل مقام مقال ، فالمقام هو الذي استوجب تنكير كلمة أحد ، والتنكير له غرض حقيقي ، وأغراض أخرى مجازية ، فيأتي التنكير والغرض منه التفخيم والتعظيم ، و الغرض في هذه السورة الكريمة هو تفخيم الذات العليا وتعظيمها ، فلذا ناسب أن تكون كلمة ((أحد )) منكرة لتفيد التفخيم والتعظيم .

أما تعريف كلمة الصمد فلها سر بلاغي يفوت إذا جاءت هذه الكلمة منكرة ، فالألف واللام في هذه الكلمة القرآنية ليس الغرض منها التعريف بل هي (( أل )) الدالة على الكمال ، فأل تأتي في كلام العرب ولها استعمالات عدة فتأتي أحياناً للتعريف ، وهذا هو المشهور الغالب في استعمالها ، وتأتي عوضاً عن المضاف إليه المحذوف مثل : (( الكتاب )) أي كتاب الله ، و (( المسجد )) المسجد الحرام ، و (( الرسول )) أي رسول الله .
وتأتي ((أل )) تفيد الكمال مثل : ((ذلك الكتاب )) أي هذا الكتاب الكامل الذي يستحق وصف الكتاب وكأن غيره بالنسبة له ينزل منزلة العدم بالنسبة للوجود ، وما معنا في هذه الآية الكريمة أتى على هذا الاستعمال .
ولو وضع التنكير موضع التعريف لخرج الكلام من دائرة الإعجاز ولأشبه كلام الناس ، وكذلك لو وضع التنكير موضع التعريف فالبلاغة القرآنية هي التي استوجبت التنكير هنا ، والتعريف هناك .
قال الإمام ابن تيمية في تفسيره لسورة الإخلاص : أما اسم “الصمد” فقد استعمله أهل اللغة في حق المخلوقين فلم يقل: “الله صمد” بل قال الله الصمد فبين أن المستحق لأن يكون هو الصمد دون ما سواه فإنه المستوجب لغاية الكمال. والمخلوق وإن كان صمدًا من يفطن الوجوه، فإن حقيقة الصمدية منقضية عنه لأنه يقبل التفرق والتجزئة، وهو أيضًا محتاج إلى غيره، فكل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه، وليس هناك أحد يصمد إليه كل شيء، ولا يصمد هو إلى شيء إلا الله. وليس في المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ ويتفرق وينقسم وينفصل بعضه من بعض والله سبحانه وتعالى هو الصمد، الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك، بل حقيقة الصمدية وكمالها له وحده واجبة لازمة.
و التنكير في قوله: “أحد” يفيد التفخيم والتعظيم، والتنكير في هذا المقام أولى من التعريف ؛ لأن هذا الوصف “أحد” إما أن يكون بدلاً من لفظ الجلالة أو خبرا له، ومعلوم أن لفظ الجلالة أعرف المعارف، ومن ثمَّ فالتعريف بعده لا يعطي ما يعطيه التنكير من التفخيم والتعظيم للذات العلية.
والله أعلم .