السؤال:

هل يحاسب الله الرجل على الزنى و يعذبه إذا كانت المرأة هي التي أجبرته و أغرته على أن يزني بها،فضعف و لم يستطع مقاومتها؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد اختلف الفقهاء فيمن أُكرِه على الزنى : فيرى أبو حنيفة أنه إن كان السلطان هو الذي أكرهه فلا حد عليه ، وما سوى ذلك فعليه الحد ، ويرى الحنابلة وأبو ثور أنه يحد على كل حال ، ويرى آخرون أنه لا حد عليه مادام الإكراه متحققا، واستدل من أخذ برأي أبي حنيفة والحنابلة أن التمتع بالزنى ينافي الإكراه،لأنه لو كان مكرها لكان خائفا، فلا ينتشر عضوه ، ولا يشتهي الزنى ، وهذا أقرب للصواب.
ولكن يرفع عنه الحد إذا كان إكراها حقيقيا يخاف على نفسه الهلاك. لأن الحد يسقط بالشبهة.
والخلاصة أن السائل في هذه الحالة لا ينطبق عليه حال الإكراه بأقل درجاته ، بل هو إغواء من امرأة فتبع كلامها  ،والواجب على الرجل والمرأة أن يتوبا إلى الله تعالى مما صنعا، فإن الله تعالى يغار ، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله.
يقول الإمام أبو بكر الجصاص من فقهاء الحنفية في كتابه :أحكام القرآن:
واختلف فيمن أكره على الزنا ، فقال أبو حنيفة : ” إن أكرهه غير سلطان حد ، وإن أكرهه سلطان لم يحد ” . وقال أبو يوسف ومحمد : ” لا يحد في الوجهين جميعا ” وهو قول الحسن بن صالح والشافعي.
وقال زفر : ” إن أكرهه سلطان حد أيضا ” .
وأما المكرهة فلا تحد في قولهم جميعا . فأما إيجاب الحد عليه في حال الإكراه فإن أبا حنيفة قال القياس أن يحد سواء أكرهه سلطان أو غيره ، ولكنه ترك القياس في إكراه السلطان ” . ويحتمل قوله : ” في إكراه السلطان ” معنيين : أحدهما : أن يريد به الخليفة ، فإن كان قد أراد هذا فإنما أسقط الحد ; لأنه قد فسق وانعزل عن الخلافة بإكراهه إياه على الزنا فلم يبق هناك من يقيم الحد عليه ، والحد إنما يقيمه السلطان فإذا لم يكن هناك سلطان لم يقم الحد ، كمن زنى في دار الحرب ويحتمل أن يريد به من دون الخليفة ، فإن كان أراد ذلك فوجهه أن السلطان مأمور بالتوصل إلى درء الحد ، فإذا أكرهه على الزنا فإنما أراد التوصل إلى إيجاب الحد عليه ، فلا تجوز له إقامته عليه إذا ; لأنه بإكراهه أراد التوصل إلى إيجابه فلا يجوز له ذلك ويسقط الحد.

وأما إذا أكرهه غير سلطان فإن الحد واجب ، وذلك ; لأنه معلوم أن الإكراه ينافي الرضا ، وما وقع عن طوع ورضا فغير مكره عليه ، فلما كانت الحال شاهدة بوجود الرضا منه بالفعل دل ذلك على أنه لم يفعله مكرها ودلالة الحال على ما وصفنا أنه معلوم أن حال الإكراه هي حال خوف وتلف النفس والانتشار والشهوة ينافيهما الخوف والوجل ، فلما وجد منه الانتشار والشهوة في هذه الحال علم أنه فعله غير مكره; لأنه لو كان مكرها خائفا لما كان منه انتشار ولا غلبته الشهوة ، وفي ذلك دليل على أن فعله ذلك لم يقع على وجه الإكراه فوجب الحد.
فإن قيل: إن وجود الانتشار لا ينافي ترك الفعل ، فعلمنا حين فعل مع ظهور الإكراه أنه فعله مكرها كشرب الخمر والقذف ونحوه . قيل له : هذا لعمري هكذا ولكنه لما كان في العادة أن الخوف على النفس ينافي الانتشار دل ذلك على أنه فعله طائعا ، ألا ترى أن من أكره على الكفر فأقر أنه فعله طائعا كان كافرا مع وجود الإكراه في الظاهر ؟ كذلك الحال الشاهدة بالطوع هي بمنزلة الإقرار منه بذلك فيحد .انتهى

ويقول أبو بكر ابن العربي من فقهاء المالكية:
لو أكره رجل بالسجن على الزنا ما جاز له ذلك إجماعا ، فإن أكره بالضرب فاختلف فيه العلماء ; والصحيح أنه إذا كان فادحا فإنه يسقط إثم الزنا وحده . وقال بعض علمائنا : إن الإكراه لا يسقط الحد ، وهو ضعيف; فإن الله لا يجمع على عبده العذابين ، ولا يصرفه بين البلاءين فإنه من أعظم الحرج في الدين.انتهى

ويقول ابن قدامة من فقهاء الحنابلة في كتابه المغني:
وإن أكره الرجل فزنى ، فقال أصحابنا : عليه الحد . وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية ، وأبو ثور ; لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار ، والإكراه ينافيه . فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه ، فيلزمه الحد ، كما لو أكره على غير الزنى ، فزنى . وقال أبو حنيفة : إن أكرهه السلطان ، فلا حد عليه ، وإن أكرهه غيره ، حد استحسانا . وقال الشافعي ، وابن المنذر : لا حد عليه ; لعموم الخبر ، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات ، والإكراه شبهة ، فيمنع الحد ، كما لو كانت امرأة ، يحققه أن الإكراه ، إذا كان بالتخويف ، أو بمنع ما تفوت حياته بمنعه ، كان الرجل فيه كالمرأة ، فإذا لم يجب عليها الحد ، لم يجب عليه . وقولهم : إن التخويف ينافي الانتشار . لا يصح ; لأن التخويف بترك الفعل ، والفعل لا يخاف منه ، فلا يمنع ذلك . وهذا أصح الأقوال ، إن شاء الله تعالى.
والله أعلم.