السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نريد أن نفهم معنى الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال :" لا يبع حاضر لباد؛ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". فهل السمسرة عمل محرم ؟ أم فيه الحرام والحلال ؟ وما حكم من قام بالسمسرة مع العلم بأنه ليست من عمله ؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فقد أحل الله البيع لما فيه من مصالح للعباد ، وحرم الربا لما فيه من ضرر على العباد ، وهذا الضرر منظور فيه إلى مصلحة عموم الأمة ، لا إلى المصلحة الفردية للأشخاص ،ومن ثم حُرِّمت السمسرة إذا كانت فيها ضرر على عموم الأشخاص ، وتباح السمسرة إذا لم يترتب عليها إضرار بالناس ، ومن ألوان السمسرة المحرمة الصورة التي وردت في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال ” لا يبع حاضر لباد؛ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض”.
يقول أ.د. صبري عبد الرؤوف الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف :
فسر الفقهاء ذلك بأن يخرج المقيم العالم بأحوال السوق إلى القادم الذي يجهل قيمة وثمن البضائع ؛ ويقول له : أنا أبيع لك، ويستغل جهله بالأسعار.
وقد أكد سيدنا عبد الله بن عباس هذا المعني حينما سئل عن معنى لا يبيع حاضر لباد قال لا يكون له سمسارًًا، ومن هذا مثل هذا التصرف لأن المصلحة هنا ليست إلا مصلحة فردية فقط.أهـ
أما الوساطة بين البائع والمشتري حيث يقوم شخص ما بتعريف الطرفين ( البائع ـ المشتري ) على بعض ، وأن يقوم بالنصح لهما فهذا مما لا بأس ،بل هذا عمل فرضته طبيعة العصر الذي نحيا فيه .

ويقول فضيلة الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء :
السمسرة هي الوساطة بين البائع والمشتري. وقد أصبحت اليوم من ضرورات الأعمال التّجاريّة، لأنّ الانسان لا يستطيع بنفسه التّعرّف على أنواع البضائع الموجودة في السّوق وأسعارها ومدى جودتها، فيستعين بالسّمسار، ومن الطّبيعي أنّ هذا السّمسار المتخصّص بهذا العمل، يدلّ البائع على المشتري، ويدلّ المشتري على البائع، وينصح لهما ويأخذ على ذلك أجراً.

أمّا السّمسرة المنهيّ عنها فهي (بيع حاضر لباد)، وقد سئل ابن عبّاس عن معنى هذا الحديث الصّحيح فقال: (لا يكون له سمساراً). وقد فسّر العلماء ذلك بأنّه كان الرّجل الغريب يأتي من البادية ببضائع يحتاج إليها أهل المدينة ويريد أن يبيعها، فيأتيه ابن المدينة وهو (الحاضر) فيقول له: اترك متاعك عندي حتّى أبيعه لك بثمن غال. ولو باع البادي لنفسه لكان أنفع له وللنّاس.
أمّا لو أنّ الحاضر نصح للبادي ، ودلّه على السّعر ، وعرّفه بأحوال السّوق من غير أن يأخذ الأجرة أو يشاركه في الرّبح فذلك جائز.
ويتّضح من هذا أنّ السّمسرة المنهى عنها حسب فهم ابن عبّاس هي (أن يبيع حاضر لباد)، وهي محصورة النّفع بإبن البادية، وبالوسيط أو السّمسار، وهي ضرر على النّاس.
وهذه غير السّمسرة المعروفة اليوم والتي تنفع الطّرفين،، وتدلّ كلً منهما على الآخر، وتعرّفه بمزايا البضاعة ومواصفاتها، وتقتضي من السّمسار تفرّغاً لمهمّته يستحقّ معها الأجر، وقد أصبحت من ضرورات التّجارة المعاصرة.
لكنّي اقول:
إنّ السّمسار يجب أن يكون واضحاً مع النّاس، وأنّه يقوم بعمل ويأخذ عليه أجراً، فلا يجوز له أن يوهم المشتري أنّه فعل ذلك من قبيل الخدمة والنّصيحة، بينما هو يتّفق مع البائع أن يأخذ أجراً على عمله. فمن أهمّ مبادئ الإسلام في العقود: (الوضوح في التزامات الطّرفين) لذلك أقول: إنّ المتفرّغ لعمل السّمسرة ، والذي يقصده النّاس لأجل ذلك عمله مباح ، وأجره مشروع إذا التزم بالصّدق مع الطّرفين.
أمّا الإنسان العادي، الذي يقوم بأعمال السّمسرة وهي ليست مهنته، فإن كان ذلك على سبيل الخدمة فعمله مشكور، وإذا طلب الأجر من الطّرفين أو من أحدهما بعلم الآخر فهو جائز.
وإذا أخذ الأجر من أحد الطّرفين دون أن يبيّن للآخر فعمله مكروه وقد يكون حراماً، لأنّه نوع من الغدر.
ويتأكّد التّحريم إذا كان السّمسار موظّفاً عند أحد الطّرفين، ومن واجبه أن يشتري له بضاعة معيّنة فيتّفق مع أحد البائعين على أن يشتري منه هذه البضاعة ، ويأخذ سمسرة عليها بنسبة معيّنة دون علم صاحبه، فهذا من باب الخيانة .
والله أعلم.