السؤال:

ورثت عن والدى بضاعة، و كان هناك خلاف عليها مع بعض شركاءه ثم انفض هذا الخلاف و تم تقسيم البضاعة بيننا . و ذات يوم جاء لى أحد التجار و طلب شراء البضاعة و لم أكن أعرف قيمتها و لم أجد أحدا يدلنى على قيمتها حين سألت عنه. فأتفقت مع هذا التاجر على سعر زهيد علمت فيما بعد أنه يساوى عشر الثمن الحقيقى لها . و حين طلبت منه زيادة السعر رفض و هددنى بعقود ابتدائية كنت قد حررتها معه . فما حكم الشرع فى ذلك ؟ و هل توجد آيات قرآنية أو أحاديث شريفة فيمن يخسر البيع ؟و ما هو حكم الشرع فى الرجوع عن البيع فى حالة الغبن الفاحش ؟ وهل يكون اتفاقى السابق معه ملزم لى شرعا ؟  

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

الأخ الكريم :

أنت مخطئ بتسرعك في اتخاذ قرار البيع قبل أن تقف على نصيحة الخبراء، وقد كان ينفعك أن تقول للمشتري : اشتر هذه البضاعة بسعر سوقها، فلو كنت قلت هذا لجاز لك الآن فسخ العقد شرعا لخداعه لك .

أما إنك لم تفعل فليس لك شيء على صاحبك ، وعليك أن تتم العقد مالم تكن شرطت عليه الخيار، فيكون لك الرجوع عن العقد زمن الخيار.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية :
إذا كان الغبن المصاحب للعقد يسيرا فلا يؤثر في صحته عند جمهور الفقهاء . قال ابن هبيرة ـ من علماء السلف ـ: اتفقوا على أن الغبن في البيع بما لا يوحش لا يؤثر في صحته . إلا أن الفقهاء استثنوا بعض المسائل ، واعتبروا الغبن يؤثر فيها حتى لو كان يسيرا .

أما الغبن الفاحش فقد اختلف الفقهاء في أثره على العقود حسب الاتجاهات الأتية :
الاتجاه الأول : ذهب الحنفية في “ظاهر الرواية” والشافعية والمالكية على المشهور إلى أن مجرد الغبن الفاحش لا يثبت الخيار ، ولا يوجب الرد . قال الحصكفي ـ من الحنفية ـ : لا رد بغبن فاحش في “ظاهر الرواية” وبه أفتى بعضهم مطلقا .
وقال الدردير ـ من المالكية ـ: ولا يرد المبيع بغبن بأن يكثر الثمن أو يقل جدا ، ولو خالف العادة بأن خرج عن معتاد العقلاء . وجاء في روضة الطالبين ـ من كتب الشافعية ـ: مجرد الغبن لا يثبت الخيار وإن تفاحش ، ولو اشترى زجاجة بثمن كبير يتوهمها جوهرة فلا خيار له ، ولا نظر إلى ما يلحقه من الغبن ; لأن التقصير منه حيث لم يراجع أهل الخبرة .

وقد استثنى الحنفية والمالكية بعض العقود والتصرفات ، وقالوا بأثر الغبن الفاحش فيها وإن لم يصاحبه تغرير ، ومن هذه العقود :
أ – تصرف الأب والجد والوصي والمضارب والوكيل بشراء شيء بعينه ، يعفى فيه يسير الغبن دون فاحشه كما قال ابن نجيم الحنفي .
وقال المواق المالكي نقلا عن أبي عمر المالكي : اتفقوا على أن النائب عن غيره في بيع وشراء من وكيل أو وصي إذا باع أو اشترى ما لا يتغابن الناس بمثله أنه مردود . وللتفصيل في أحكام خيار غبن القاصر وشبهه .

قال الدردير : ولا رد بغبن ولو خالف العادة ، إلا أن يستسلم أحد المتبايعين صاحبه بأن يخبره بجهله ، كأن يقول المشتري: أنا لا أعلم قيمة هذه السلعة ، فبعني كما تبيع الناس فقال البائع : هي في العرف بعشرة فإذا هي بأقل : أو يقول البائع : أنا لا أعلم قيمتها فاشتر مني كما تشتري من الناس فقال : هي في عرفهم بعشرة ، فإذا هي بأكثر ، فللمغبون الرد على المعتمد ، بل باتفاق .

الاتجاه الثاني : ذهب بعض الحنفية وبعض المالكية – منهم ابن القصار – والحنابلة إلى أن للمغبون حق الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه وإن لم يصاحب الغبن تغرير . قال ابن عابدين الحنفي نقلا عن الحموي الشافعي : فقد تحرر أن المذهب عدم الرد به ( بالغبن الفاحش ) ولكن بعض مشايخنا أفتى بالرد مطلقا . وقال المواق المالكي نقلا عن المتيطي المالكي: تنازع البغداديون في هذا ، وقال بعضهم : إن زاد المشتري في المبيع على قيمة الثلث فأكثر فسخ البيع ، وكذلك إن باع بنقصان الناس من قيمته على ما قاله القاضي أبو محمد وغيره ، وحكى ابن القصار أن مذهب مالك : للمغبون الرد إذا كان فاحشا وهذا إذا كان المغبون جاهلا بالقيم . والحنابلة يقولون بإعطاء العاقد المغبون حق الخيار في ثلاث صور: إحداها : إعطاء المغبون حق الخيار إذا صاحب الغبن تغرير، بهذا يقول بعض الحنفية وصححه الزيلعي الحنفي وأفتى به صدر الحنفي الإسلام وغيره .

والله أعلم .