السؤال:

إذا دفعت عربوناً لقاء بضاعة ثمّ عدلت عن الشراء وأخذ صاحب البضاعة هذا العربون فهل هذا المال يحلّ له، وهل يجوز في الأساس طلب عربون؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
اختلف الفقهاء على بيع العربون، فالجمهور على تحريمه، ويرى الحنابلة وغيرهم إباحته، وأن يكون العربون على قدر الضرر، فإن أخذ ما يزيد على الضرر المتوقع دخل في دائرة الحرمة، ولأن هذا أصبح عرفًا، وليس فيه نص صحيح في التحريم، فيبقى على الأصل وهو الإباحة.
يقول الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للإفتاء:

بيع العربون، هو أن يشتري الرجل شيئاً فيدفع إلى البائع جزءاً من الثمن، على أنّه إذا نفذ البيع بينهما احتسب المدفوع من الثمن، وإن لم ينفذ أصبح العربون من حقّ البائع.
والجمهور من الفقهاء الحنفية والشافعية والمالكية يرون هذا البيع غير صحيح، لأنّ النبيّ (صلىالله عليه وسلم) نهى عن بيع العربان، روى ذلك أحمد والنسائي وأبو داود، لكنّه حديث منقطع ضعيف عند أهل الحديث. ولأنّ البائع يأخذ العربون إذا لم يتمّ البيع بدون مقابل، فيكون شرط مال بغير عوض، وهو لا يجوز. وبناءً على رأي هؤلاء لا يحلّ للبائع أخذ العربون إذا لم ينفذ البيع.
لكن أحمد بن حنبل ومحمد بن سيرين ونافع بن الحارث أجازوا بيع العربون واستدلّوا بما رواه نافع، وهو عامل لعمر بن الخطّاب على مكّة، أنّه اشترى لعمر دار السجن بمكّة من صفوان بن أميّة، وشرط له أنّه إن لم يرضها عمر فلصفوان مبلغ من المال، وقد أقرّ عمر هذا الشرط (المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله، نقلاً عن الشرح الكبير – باب الشروط في البيع 4/55 – 59، وبداية المجتهد 2/135).
وقد أيّد هذا الرأي ابن القيّم في أعلام الموقّعين بما رواه البخاري في صحيحه في باب (ما يجوز من الاشتراط) عن ابن عون عن ابن سيرين أنّه قال: قال رجل لكريه: ارحل ركابك، فإن لم أرحل معك في يوم كذا فلك مائة درهم، فلم يخرج. قال شريح: (من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه).
وفي الأعراف التجارية السائدة اليوم أصبح العربون أساساً للتعامل التجاري، والقوانين تجيزه باعتبار أنّ المشتري يشترط على نفسه دفع مبلغ من المال للبائع إذا لم ينفّذ ما تعهّد به، وذلك مقابل الضرر الذي لحق بالبائع وهو ينتظر المشتري، وربّما جاءه مشتر آخر فرفض أن يبيعه، وربّما نزل الثمن لأسباب طارئة، وكلّ هذا يجعل الضرر الواقع بالبائع عند عدم تنفيذ البيع مؤكّداً أو راجحاً على الأقلّ، وإذا اتفق الطرفان على تقدير بدل العطل والضرر سلفاً بمبلغ العربون، فليس في قواعد الشريعة ما يمنع ذلك.
وبناءً على ما ذكرت فإنّني أرى أنّ العربون حلال، يجوز الاتفاق عليه ويجوز استيفاؤه بناءً على عدم ورود نصّ صحيح يمنعه، وبناءً على عدم تعارضه مع قواعد الشريعة في العقود والشروط، وبناءً على العرف المعاصر فضلاً عن إباحة المذهب الحنبلي له. ولكنّه يجب أن يكون متناسباً مع الضرر المتوقّع، فإذا كان مبالغاً فيه فهو غير جائز، وعلى البائع أن لا يستوفي منه إلاّ ما يتناسب مع الضرر اللاحق به.
والله أعلم