السؤال:

أستاذنا الفاضل جزاكم الله عنا خير الجزاء، وجعل ذلك في ميزان حسناتكم، ما مدى مشروعية استعمال القرائن كدليل من أدلة الإثبات؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإن القرائن ليست أدلة قاطعة، وإنما هي تقوي الظن بوجود الاتهام أو نفيه، ولذلك فإنه يمكن عن طريقها الوصول إلى الدليل، أما استخدامها في الحدود فلا يجوز، لأن الحدود تُدرأ بالشبهات والقرينة ليست دليلاً خاليًا من الشبهة، إنما هي قريبة من الدليل، وقد جاء في القرآن الكريم شيء منها، مما يدل على جواز استعمال القرائن عند عدم وجود الأدلة، على أن يكون ذلك في غير الحدود، كالسرقة والزنا، والقصاص… إلخ.

ومن هذه القرائن التي استعملها القرآن الكريم ما جاء في سورة يوسف في قوله تعالى: “وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قُد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم”، فهذه قرينة قوية ومقنعة على بيان الحق الذي هو في جانب سيدنا يوسف؛ لأن القميص قد من دبر، فهذه قرينة على أنه صادق وأنه كان يحاول الفرار منها، وقد أعطاها ظهره وهي تجذبه إليها حتى قدت قميصه من دبر.

وفي سورة يوسف أيضًا قرينة أخرى منها ما ذكره الله تعالى في قوله على لسان سيدنا يعقوب حيث قال: “وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون”، فقد استنبط سيدنا يعقوب من سلامة القميص رغم وجود الدم عليه أن الذئب لم يأكل يوسف؛ لأنه لو أكله لمزق القميص.

وللإمام ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية وقفة طويلة مع القرائن، حيث ذكر أنها من البينات التي من حق القاضي أن يقوي بها جانبًا على آخر، واستدل على ذلك ببعض الآثار الواردة في السنة مثل تشابه الآثار، فقد جاء في الحديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دخل على السيدة عائشة فرحًا، فقال: انظري يا عائشة فقد قال فلان على رجل من العارفين بالأثر، لما رأى أقدام زيد بن حارثة وولده أسامة بن زيد، فقال: هذه الأقدام بعضها من بعض، فاستنبط النبي صلى الله عليه وسلم من كلام القائف صدق نسب أسامة إلى أبيه زيد رضي الله عنهما.

هذه كلها قرائن يمكن للقاضي الاستعانة بها والاستنباط منها إلا في الحدود، لأنها تورث ظنًا غالبًا ولا تورث اليقين، وفي الحدود ينبغي أن يقوم الاتهام على أدلة يقينية، فالقرائن مشروعة ولكن في حدودها، بحيث لا تترك كلية ولا يبالغ في استعمالها في غير موضعها
والله أعلم.