السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : زوجي ـ سامحه الله وضاعف حسناته وتجاوز عن سيئاته ـ كان حادَّ الطَّبْعِ عصِبَّيَّ المزَاجِ، يصطنع المشاكل ويتمادَىَ في الشِّجَارِ إلَى آمَادٍ غيرِ محتملة، ومنذُ سنين بعيدة اشتدَّ غضَبُه وكَثُرَ لَغَطُه، وعَبَثًا حاولتُ تهدئَتَهُ فلم أجد لذلك سبيلًا، واستمر في حالة النَّكَد وغليانِ الشعور حتى وجدتُنِي، وأنا صائمة، في حالةٍ من ضيق الصَّدر وشدَّةِ المعاناة غير محتملة، فما كان منِّي إلا أن تناولت بيدي كوبًا مملوءًا بالماءِ أفرغتُه في جوفي أطفئ به لَظَى معانَاتِي القَاسِية. والآن وقد مضت السنون الطِّوال ماذا يمكن أن أفعل لأَجْبُرَ إفْطَار هذا اليوم؟ وهل شِدَّة المُعاناة التي كنتُ فيها تنهض عُذْرًا يُبِيحُ ليَ الإفطار؟ أفيدوني أفادكم الله؟ ولكم جزيل الشكر

الجواب:

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يقول الأستاذ الدكتور عبد الرازق فضل الأستاذ بجامعةالأزهر:

المشكلة التي عرضتِها ـ أيَّتُها الأخت السائلة ـ متشعِّبَة الجوانِب؛ إذْ إنَّ الزَّوْجَة مأمورةٌ شرعًا بأن تكونَ رحمةً لزوجِهَا، أي يجد في سِعَةِ حِلْمِهَا وصبرها وتجمُّلِها واهتمَامِهَا بشئونِه ما يُزِيل عنه معاناةَ الكَدِّ والنَّصَبِ، فإذا ما تأجَّجَتْ نَارُ غَضَبِه كان في بَرْدِ خُلُقِهَا ما يطفئ النيران ويُسْكِتُ الغَضَبَ.

والبادي أنَّكِ قد فعلتِ وحاولتِ التهدئة فلم تُفْلِحِي، وحينئذٍ كان الأوْلَى بكِ أن تُطْفِئي غيظكِ أنتِ بالاستعاذَةِ بالله مِنَ الشيطانِ الرَّجِيمِ، والتحوُّلِ بلطْفٍ من مكان المشادَّة إلى حُجْرَةٍ أخرى من البيت حتَّى لا يَتَمَادَى الزَّوجُ في غضبه، فربَّمَا كان في انسحابِكِ ما يُعِيدُ إليه اتِّزَانَ نَفْسه ورجاحَةِ عقله.

والبادي من الرسالة أيضًا أنَّكِ قد فعلتِ، فما كان منكِ بعد ذلك إلا أنْ أحسستِ أن كَظْمَ الغَيْظِ والامتِنَاعَ عن الردِّ على الزَّوجِ أثَّرَا في حالَتِكِ بِمَا جَعَل الدنيا تضيقُ عليك، حتى لَتَحُسِّينَ أنَّ ريقَكِ قد جَفَّ وحَلْقَكِ قد غُصَّ، وحينئذٍ توجَّسْتِ على حياتك الخوفَ وتوقَّعْتِ الضَّرَرَ، وغَلَب على ظنِّكِ أنَّه لا مانِعَ لحدوثِ مَا تتوقَّعِينَ إلا في إطفاءِ هَجِير العِرَاك بالماء، فسكبتِ كوبًا منه في جوفك، ومثل هذه الحالة أفتى العلماءُ بأنه يجبُ على مَنْ كان فيها القضاءُ فقط.

وإذا كان هذا الحكم في إفطار يومٍ من رمضانَ بعُذْرٍ فإني أُهيب بالمسلمين ورمضان على الأبواب أن يحولوا بين أنفسهم وبين دواعي ما يُتْعِبُ النَّفْسَ؛ من شدة طبعٍ وحدَّةِ نقاش، حتى يحقق صومُهم غايتَه، وهي التقوى، كما يفهم من قوله تعالى: (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ علَى الذين مِنْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

والله أعلم .


الوسوم: , ,