السؤال:

ما حكم الجندي الأمريكي المسلم، هل يذهب في هذه الحرب ضد المسلمين؟
وهل يغلب الانتماء الديني على الإنتماء الوطني أم العكس، ؟ وما حكم قتل المسلم لأخيه المسلم في هذه الظروف وهل هناك ضوابط أو ضرورة لذلك؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
الجندي الأمريكي المسلم هو في موقف صعب. فهو من جهة مواطن أمريكي ومطلوب منه أن يلتزم بموجب القوانين الأمريكية بأن يكون مع بلده، وهو من جهة ثانية إنسان مسلم وملتزم بموجب الأحكام الشرعية ألاّ يقاتل إخوانه المسلمين.

وهو مضطرٌّ للموازنة بين الأمرين واختيار أخفّ الضررين، فإذا استطاع أن يتحوَّل من العمل العسكري المباشر إلى أيّ عمل آخر بناء على الحرج الذي يستشعره من مقاتلة إخوانه المسلمين، فيجب عليه أن يفعل ذلك، والذي نعلمه أنّ القوانين الأمريكية تسمح له بمثل هذا الموقف.

أمّا إذا لم يستطع التحوّل عن الأعمال العسكرية المباشرة فهو مضطرّ إلى الاختيار، وهو الذي يتحمّل مسؤولية اختياره في الدنيا والآخرة، وإذا كان الحكم الشرعي الأصلي في عدم جواز مقاتلة المسلم لأخيه المسلم ثابتًا ولا خلاف عليه، إلاّ أنّ القاعدة الشرعية الثابتة أيضًا هي رفع الإثم عن المسلم فيما إذا كان لا يستطيع القيام بالحكم الشرعي كما أمره الله، قال عزّ وجل: “فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ” التغابن : 16، وقال تعالى: “لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها”، والآيات في ذلك كثيرة.

وهذه الحالة في الأصل حالة استثنائية تحصل بالنسبة لأعداد قليلة من الجنود الأمريكان المسلمين. والأمر في هذا يحتاج إلى موازنة يقوم بها الجندي نفسه الواقع في هذه المشكلة.

إنّنا لا نستطيع أن نطالب الجندي المسلم في الجيش الأمريكي بتغليب انتمائه الديني على انتمائه الوطني حتّى لا يقتل أخاه المسلم فيعرّض نفسه هو للقتل، وهذا أيضاً لا يجوز.

كما أنّنا لا نستطيع أن نطالب الجندي المسلم الأمريكي بتغليب انتمائه الوطني على انتمائه الإسلامي والانطلاق من أجل مقاتلة إخوانه المسلمين؛ فهذا أمر لا يجوز أيضاً.

إنّ الموازنة بين الأمرين تدفع كلّ جندي أمريكي مسلم إلى أن يتخذ بحقّ نفسه القرار الممكن الذي لا يعرّضه لضرر لا يستطيع تحمّله، والله تعالى لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها.

ولا يمكن في مثل هذه الحالات إعطاء فتوى عامّة لجميع الجنود المسلمين الأمريكان؛ سواء بتغليب الانتماء الديني؛ إذ قد يترتّب على ذلك ضرر أكبر، أو بتغليب الانتماء الوطني، والذي قد يترتّب عليه ضرر أكبر أيضاً، والضرران متقاربان جداً، وهما تعريض الإنسان المسلم لقتل أخيه المسلم أو لقتل نفسه.

إذن لا بدّ من البحث عن حلّ ثالث بين الأمرين، وهذا الحلّ الثالث قد يختلف بين جندي وآخر بحسب ظروفه وقوّة إيمانه، أما إذا قاتل المسلم أخاه المسلم بدون تأويل وبدون أيّ سبب قاهر فقتله يدخل النار بلا جدال كما ذكرت ذلك الأحاديث الصحيحة.

أمّا إذا قاتله أو قتله بسبب تأويل معيّن فأمرهم جميعاً إلى الله وحكمه العدل لا يعرفه إلاّ هو، وقد حصل القتال بين فئتين من المسلمين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بناءً على خلاف أو تأويل أو لأسباب معيّنة، ولا نستطيع أن نحكم على أيّ منهم بدخول النار، لكنّنا نَكِلُ أمرهم إلى الله، ونسأله المغفرة لنا ولهم.

وبناءً على ذلك لا نستطيع أن نقول إنّ المسلم الأمريكي إذا قتل أخاه المسلم الأفغاني أو أنّ المسلم الأفغاني إذا قتل أخاه المسلم الأمريكي أنّه في النار، بل نقول إنّ الظروف الصعبة جعلتهما معاً في موضع صعب، نسأل الله لهما المغفرة والرحمة.

إنّه لا يجوز للإنسان المسلم أن يسعى إلى قتل أخيه المسلم، وليست هناك ضرورة تبيح له هذا القتل إلاّ إذا كان يخاف على نفسه من القتل أو ما يشبهه. وحين يكونان مضطرَّيْن إلى المواجهة فيجب على كلّ واحد منهما ألا يقصد قتل صاحبه.

هذا والله أعلم.