السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : في العام الماضي وفي يوم استطلاع الهلال في أول شهر رمضان تحدَّث فضيلةُ المفتي لوسائل الإعلام أنه في حالة عدم ثُبوت الهلال داخل جمهورية مصر العربية فسوف يأخذ برُؤية الهلال في أيِّ بلد يَشترك معنا في جزء من الليل. فيرجى توضيح ذلك لأن البعض صامَ 29 يومًا والبعض الآخر صامَ 30 يومًا .

الجواب:

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
صوم رمضان يَجب شرْعًا برُؤية هلاله، والإفطارُ منه يَجب برُؤية هلال شوال لقوله تعالى: (فمَن شَهِدَ منكمُ الشهرَ فَلْيَصُمْهُ) البقرة 185.

وقوله صلى الله عليه وسلم: “صُومُوا لرُؤيتِهِ وأفْطِرُوا لرُؤيته، فإنْ غُمَّ عليكمْ فأكْمِلوا عِدَّةَ شعبانَ ثلاثينَ يومًا “.
ودار الإفتاء المصرية تُرجح العمل برأي مَن قال بوَحدة المَطالع، وهو أن الهلال إذا ثبَت في بلد ثبَت في حقِّ أهل هذا البلد وفي حقِّ أهل جميع البلاد الأخرَى المُشتركة مع بلد الرؤية في جُزء من الليل.

 

وإليك تفصيل ذلك في فتوى الدكتور ـ نصر فريد واصل ” مفتي مصر الأسبق ” :

 

صوم رمضان يجب شرعًا برُؤية هلالِهِ، والإفطارُ منه يَجب برُؤية هلال شوال لقوله تعالى: (فمَن شَهِدَ مِنكمُ الشهرَ فَلْيَصُمْهُ)  البقرة 185 . وقوله صلى الله عليه وسلم: “صُومُوا لرُؤيته وأفْطِروا لرُؤيته، فإنِّ غُمَّ عليكمْ فأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعبانَ ثلاثِينَ يومًا “.

 

وقد اختلفَ الفُقهاء في المراد من الأمر الوارد في الحديث بالصوم؛ هل المراد به العُموم أيْ جميع المُخاطَبين المُكلَّفين بالصوم مِن المسلمين في كل مكان، أمِ المراد الخُصوص بمعنى أن الأمر يَتعلَّق

بمَن ثبتَتِ الرؤية في حقِّهم دون غيرهم؟ وذلك على قولَينِ :

 

أحدهما:وهو قول جمهور الفقهاء، أن الخِطاب لجميع المُكلَّفينَ؛ لأنه إذا ثبتتِ الرؤية في حق بلد من البلاد الإسلامية وجَبَ عليهم العمل بها وتَبليغُها إلى بقية الدول الإسلامية الأخرى التي لم تَشهد،

ووَجَبَ على مَن لم يَرَ الأخْذُ برؤية مَن رأى والصومُ معهم إذا كانوا مُشتركين معهم في جزء من الليل. وهذا القول يَعتمد على وَحدة المَطالع بالنسبة لجميع البلاد اعتمادًا على وَحدة العبادة بين

المسلمين إن تعلَّقت بهم في يوم واحد يَشترك في جزء مِن الليل، وهذا مذهب الحنفية والمَالكية وقول الشافعية والحنابلة .

والقول الثاني:أن لكلِّ بلد مَطلعَه، فإذا ما رأى أهلُ بلدٍ إسلاميٍّ الهلالَ ولم يَرَهُ أهلُ البلد الآخر وجَب على مَن رأى العملُ بمُقتضى هذه الرؤية، ولا يَلتزم بها أهل البلد الآخر لأنهم لم يَرَوْا؛ لأن الحديث

مُوجَّه إلى المُخاطَبين بالرؤية فقط، ولأن الصوم مُتعلِّق بالرؤية وليس بالعلْم بها عن الغير، وهذا مذهب جمهور الشافعية والحنابلة وقول في مذهب الحنفية والمالكية.

 

والقولانِ من حيثُ الأصل الشرعيُّ والاجتهاد الفقهيُّ صحيحانِ في الإسلام؛ ولهذا لم يَعترض أحدٌ مِن الفقهاء على أحدٍ وظلَّ العمل بهما معًا قائمًا من عهد الصحابة والتابعين حتى عصرنا الحاضر في

البلاد الإسلامية، ولم يَعِبْ أحدٌ على أحدٍ في أيِّ عصر مِن العصور الإسلامية السابقة .

 

ولكن نظرًا للتقدُّم العلميِّ الكبير وظُهور وسائل الاتصالات الحديثة المَكتوبة والمقروءة والمَسموعة والمَرئية، ولأن الهلال جرْمٌ سماويٌّ ماديٌّ لا يتغير ولا يَتبدَّل في ذاته ولا في علاقته بالأرض ولا بالكواكب

الشمسية الأخرى لقوله تعالى: (والشمسُ تَجري لمُستَقَرٍّ لهَا ذلكَ تَقديرُ العزيزِ العليمِ. والقمرَ قدَّرْناهُ منازِلَ حتَّى عادَ كالعُرْجُونِ القَديمِ. لا الشمسُ يَنبغي لهَا أنْ تُدرِكَ القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهارِ وكُلٌّ في فلَكٍ يَسبحونَ) (يس: 38 ـ 40)

 

وإنما يَتغير موقعُه بتغيُّر الزمن وتَغيُّر المكان، نظرًا لدَورة الأرض حول نفسها في اليوم والليلة مرةً واحدةً، ودوَران القمر حول الأرض دورةً واحدةً كاملةً في الشهر عكس دورة الأرض، وقد تَقدَّم العلْمُ الفلكيُّ

الآن، والحساب المُتعلِّق به أصبح مِن الدقة بمكان للدرجة التي يُمكن معها تَحديدُ مَنزل القمر في كل مكان مِن العالَم بالنسبة للأرض تحديدًا دقيقًا يُقدَّرُ بجُزءٍ من الثانية، وذلك اعتمادًا على الآلات العلمية والحِسابية الحديثة التي لا تَقبل الخطأ من الناحية العلمية .

وعليه :فإننا نُرجح العمل برأي مَن قال بوحدة المَطالع، وهو أن الهلال إذا ثبَت في بلدٍ ثبَت في حقِّ أهل هذا البلد وفي حق أهل جميع البلاد الأخرى المُشتركة مع بلد الرؤية في جزء مِن الليل، ووَجبَ

التبليغ والإعلام، ووَجب على مَن بلَغه العلْمُ بالرُّؤية العملُ بها إن ثبتَتْ لدْيهِ بيقينٍ وغلَب على ظنه صحة الرؤية وتأكَّد العلم بها. وهذه الرؤية وهذا التبليغ يُمكن إعلامُ الجميع به في نفس الوقت واللحظة

بالصوت والصورة والكلمة المَقروءة والمكتوبة بما لا يُمكن لأحدٍ من المسلمين إنْكارُه في ظل التقدم الكبير في وسائل الاتصال العصرية؛ وذلك لأن وَحدة المسلمين في العبادات والُمعاملات مأمورٌ بها أمرَ

إلْزامٍ لقوله تعالى: (إنَّ هذهِ أُمَّتُكُمْ أمَّةً واحدةً وأنَا ربُّكمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء: 92)  وقوله تعالى أيضًا: (وإنَّ هذهِ أمَّتُكمْ أمةً واحدةً وأنَا ربُّكمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون: 52) وقوله تعالى: (واعْتَصِمُوا بحَبْلِ اللهِ جَميعًا

ولا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103) وقوله سبحانه وتعالى: (ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذهبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46) ولأن العباداتِ ما شُرعَتْ إلا لتوحيد البشر في عَقيدتهم لله الواحد الأحد، والابتعادِ بهم عن كل

وسائل الخلاف والشِّقاق المُؤدِّي إلى النزاع والهلاك، سواء كان ذلك في أمور الدِّين أو في أمورِ الدنيا، وهذا الاتِّجاه هو الذي مِلْنَا إليه وطلَبْنا العملَ به، وأننا سوف نلتزمُ بأيةِ رؤية شرعية في أيِّ بلدٍ من

البلاد الإسلامية التي تَشترك معنا أو نَشترك معها في جزء من الليل ولو كان ذلك في جُزر المَالديف، ولم نَحِدْ عن هذا الذي أعلنَّاه بل ما زِلنا مُلتزِمينَ به وندعو إليه في كل وسائل الإعلام المُختلفة

حتى وقتا الحاضر .

 

أما بالنسبة للخلاف في البلد الواحد أو البلد التي لا تَعتمد على رؤية نفسِها وتأخذ عن غيرها، فإننا نقول : بأنه لا يَصحُّ الخلاف بين الأفراد في الدولة الواحدة ، ولهم أن يَأخذوا بأقربِ البلاد إليهمْ، أو بأيِّ

بلد آخر من البلاد الإسلامية التي تَشترك معهم في جزء من الليل ولو كانَ بعيدًا، ما دامَ يغلب على ظنِّهم أنها رُؤية شرعيةٌ، وإذا حصل خلاف بينهم فإنه يَجب العملُ برأي الأغلبية، ويجب على الأقلية

اتِّباع رأْي الأغلبية؛ لأن وَحدةَ المسلمين في البلد الواحد مُجمَعٌ على العمل بها في صومِ رمضان وفي جميع العباداتِ التي لا يَختلف الأمر فيها بالنسبة لآحادِ الناس، وذلك لقوله تعالى: (واعْتَصِمُوا بحَبْلِ

اللهِ جَميعًا ولا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103) .

 

والله أعلم .


الوسوم: , ,