السؤال:

سمعت جماعة من الشباب يتحدثون عن الوصال في الصوم، ولم أفهم ما يقصدون، فماذا يعني الوصال في الصوم؟ وما حكمه ؟ أفيدوني بالجواب بارك الله فيكم

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فالوصال في الصوم هو مواصلة الليل بالنهار صياما دون إفطار بالليل، وقد كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه نهى أصحابه عنه لئلا يشق عليهم، فهو خاص به صلى الله عليه وسلم .

يقول الدكتور محمد سيد المسير ” أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر ” :

شرع الله تعالى الصوم نهارًا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأباح الفطر ليلًا، وكان هدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعجيل الفطر وتأخير السحور، ليكون ذلك عونًا للصائم، وأقوى له على أداء عبادة الصوم بنشاط، وحتى تتواصَل مسيرة الحياة كسبًا للرزق وضربًا في الأرض وابتغاء لفضل الله.

ومن هنا كان النهي الشرعي عن الوِصال بمعنى صوم يومين فأكثر من غير أكل وشرب بينهما.

ولكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واصَل في بعض صيامه فاقتدى به بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فنهاهم المصطفى الكريم عن الاقتداء به في الوصال؛ لأنه مقام يصعب الالتزام به ويشق على الناس، وكان رسول الله رفيقًا بأمته رحيمًا بهم.

فجاء في صحيح الحديث عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن الوِصال قالوا: إنك تواصل، قال: إني لستُ كهيئتكم، إني أُطعَم وأُسْقَى، وفي رواية: “وأيكم مثلي، إني أبيت يُطعمني ربي ويسقيني”.

والمعنى أن الله تعالى يجعل له قوة ومَقدِرة على الوِصال كقوة الطاعم الشارب، وليس على ظاهره من أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأكل ويشرب وإلا ما كان مواصلًا.

ولما لم يتراجع المسلمون نهاهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتجربة عمَلِية.. ففي صحيح الحديث: “فلما أبَوْا أن ينتهوا عن الوِصال، واصَل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر الهلال لزدتُكم كالمُنَكِّل لهم حين أبَوْا أن ينتهوا”.

والمعنى أن الرسول الكريم واصَل بهم يومين في آخر الشهر ثم ظهر الهلال وانتهى صوم رمضان فأخبرهم المصطفى أنه أراد أن يثبت لهم عمليًّا المَفسدَةَ المترتِّبة على الوِصال وهي الملَل من العبادة والتعرُّض للتقصير في بعض المأمورات الشرعية والواجبات الاجتماعية.

فالعبادة إنما تكون على قَدْر وسع الإنسان وفي حدود المستطاع ومن غير إرهاق يعقبه الملَل.

روى الشيخان عن مسروق قال: سألت عائشة رضي الله عنها: أي العمل كان أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: الدائم.

وعن عائشة أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها، وعندها امرأة، قال: “من هذه؟” قالت: فلانة تذكر من صلاتها (تعني أنها تكثر جدا من الصلاة) قال: “مه! عليكم بما تطيقون، فوالله، لا يمل الله حتى تملوا”.إنتهى كلام الدكتور المسير

“مه” كلمة زجر عن تكلف المشقة الشديدة في العبادة، وتحميل النفس فوق طاقتها. وذلك أنه بالمداومة على القليل، تستمر الطاعة وتكثر بركتها، بخلاف الكثير الشاق، وربما ينمو القليل الدائم حتى يزيد على الكثير المنقطع، أضعافا كثيرة.

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في قول ) إلى كراهة صوم الوصال , وهو: أن لا يفطر بعد الغروب أصلا , حتى يتصل صوم الغد بالأمس , فلا يفطر بين يومين , وفسره بعض الحنفية بأن يصوم السنة ولا يفطر في الأيام المنهية . وإنما كره , لما روي عن ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – قال : ( واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان , فواصل الناس . . فنهاهم , قيل له : إنك تواصل , قال : إني لست مثلكم , إني أطعم وأسقى).

والنهي وقع رفقا ورحمة ، ولهذا واصل النبي صلى الله عليه وسلم . وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها , وكذا بمجرد الشرب لانتفاء الوصال . ولا يكره الوصال إلى السحر عند الحنابلة , لحديث أبي سعيد – رضي الله عنه – مرفوعا: ( فأيكم إذا أراد أن يواصل , فليواصل حتى السحر) ، ولكنه ترك سنة , وهي : تعجيل الفطر , فترك ذلك أولى محافظة على السنة .

وعند الشافعية قولان: الأول وهو الصحيح : بأن الوصال مكروه كراهة تحريم , وهو ظاهر نص الشافعي رحمه الله , والثاني : يكره كراهة تنزيه

والله أعلم .


الوسوم: , ,