السؤال:

في بعض البلاد يزوجون البنات وهنَّ صغيرات غير بالغات، سواء أكان القانون يَمنع أو يُجيز، فما حُكم موافقة البنت على تزويج وليِّها لها؟ وجزاكم الله خيـرا

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإن الإسلام قد شمل المرأة بالرعاية وحفظ لها كرامتها ولم يجعلها هملا، وإذا كان جمهور الفقهاء على أن الولي هو الذي يباشر عقد النكاح ولكن متى كانت الفتاة بالغة رشيدة فليس لوليها أن يُقدِم على إبرام العقد إلا بإذنها ورضاها وجاءت السنة النبوية واضحة في هذا الأمر وجعلت للبنت الحرية الكاملة في اختيار زوجها وجاء ذلك في أكثر من موضع.

 ففي رواية أبي داود وابن ماجه:( أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ , فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم).

وفي الحديث الذي رواه النسائي وابن ماجه : (أَنَّ فَتَاةً جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ : إنَّ أَبِي زَوَّجَنِي مِنْ ابْنِ أَخِيهِ , لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ . قَالَ : فَجَعَلَ الْأَمْرَ إلَيْهَا . فَقَالَتْ : قَدْ أَجَزْت مَا صَنَعَ أَبِي , وَلَكِنِّي أَرَدْت أَنْ أَعْلَمَ أَنَّ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْئًا.) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: (أَرَدْت أَنْ يَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ) .

يقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر ـ رحمه الله ـ في كتابه أحسن الكلام في الفتوى والأحكام:

من المعلوم أن عقد الزواج يُشترط في صحته تمييز المتعاقدَين، فإن كان أحدهما مجنونًا أو صغيرًا لا يُميز فإن الزواج لا ينعقد، وهنا يكون للوليَّ الحق في عقد الزواج، فالصغيرة إن كانت مميِّزة لا بد من استئذانها وموافقتها، أما إن كانت غير مُمَيِّزة فإنه يجوز للأب والجد تزويجها بغير إذنها؛ لأن الغالب أنهما يَرْعيانها ويريدان لها الخير، وقد زوج أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ابنته عائشة من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي صغيرة دون إذنها، حيث لم تكن في سنٍّ يُعتبر فيها إذنها، وليس لها الخيار إذا بلغت، فكان سنها ست سنوات .

ومن أجل هذا استحب الشافعية ألا يزوِّجها الأب أو الجد حتى تبلغ ويستأذنها، ولا يجوز لغير الأب والجد أن يزوِّج الصغيرة كما رآه الجمهور، فإن زوَّجها لم يصحَّ الزَّواج، لكنَّ أبا حنيفة وجماعة من السلف أجازوا لجميع الأولياء وقالوا بصحة الزَّواج، ولها الخيار إذا بلغت، وذلك لما روي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ زوَّج أمامة بنت حمزة ـ وهي صغيرة ـ وجعل لها الخيار إذا بلغت، وهو لم يزوِّجْها بوصْفه نبيًّا، بل لأنها قريبته وهو وليُّها لأنها بنت عمه، ولو زوَّجها بوصفه نبيًّا لم يكن لها الخيار، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (سورة الأحزاب : 36) وقال بهذا الرأي عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة .
أما الكبيرة فلا يجوز إكراهها على الزواج .
والله أعلم.